الثلاثاء، أبريل 04، 2017

مفهوما الديموقراطية والعلمانية في منظور الدول العظمى.

دراسة عن المسألتين الديموقراطية والعلمانية
(الحلقة السادسة)
خامساً: مفهوما الديموقراطية والعلمانية في منظور الدول العظمى.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتقال حكم العالم إلى سيطرة الدولتين العظميين الجديدتين، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، سادت أنظمة الحكم فيهما نظريات ومفاهيم فكرية وسياسية جديدة، بحيث وسمت كل منهما مفاهيم تضاد وتناقض حول العلمنة والديموقراطية، ناهيك عن مفاهيمهما المتناقضة بالنسبة لمفاهيم الفكر الاقتصادي. ولأن حقل بحثنا يدور عن العلمانية والديموقراطية سنولي هذا الجانب اهتمامنا الخاص بهما، تاركين التناقضات الأخرى إلى دراسات أخرى، لكن على أساس استخدام مفهاميمهما في الفكر الاقتصادي بما يتناسب مع ميدان بحثنا الذي بين أيدينا. لذا سنوزِّع بحثنا في دراسة مفاهيم كل دولة منهما بشكل منفصل عن الآخر، وبالتالي سننتقل إلى مقارنة بينهما من جهة، وإلى مدى انعكاسات تأثير كل منهما على موضوع دراستنا.

1-مفاهيم العلمانية والديموقراطية في الولايات المتحدة الأميركية:
للمفهومين المذكورين علاقة وثيقة بمذهب الفكر الاقتصادي الذي انبنى عليه النظام الأميركي. وحيث إن الفكر الرأسمالي هو الذي يوجِّه مسارات النظام الاقتصادي في ذلك النظام، فقد انعكست تأثيراته على مفهوميْ الديموقراطية والعلمنة.
-الأول: بالنسبة لمفهوم العلمنة فقد ارتكزت تأثيرات الفلسفة الرأسمالية بالنسبة للدين على قاعدة اعتبار وضع مصلحة الرأسماليين في رأس هرم أولوياته. ولأن رأسمال المال لا دين له، فقد اكتسب مفهوم العلمنة فيه اتجاهات ليبرالية، على أن يختار المواطن بمفهوم الرأسمالية الدين الذي يرتضيه بمحض اختياره من دون إكراه أو توجيه طالما أنه لا يمس بمصلحة النظام الرأسمالي، وأن لا يتدخل بشكل التشريعات والقوانين التي تحمي مصلحة الطبقة الرأسمالية.
-الثاني: وأما بالنسبة لمفهوم الديموقراطية، فقد عمل النظام الأميركي -بحسه المادي (الربح والخسارة)-على تصدير السلع الاستهلاكية؛ ويعمل على تسويق هذه السلعة بواسطة ثقافة اقتصادية هدفها الأول فن الترويج للسلعة، وتوفير الأسواق الواسعة لبيعها. وبهذا فقد استنبط الغرب - التاجر أسلوباً اقتصادياً قائماً على ثقافة إعلانية تدعمها وسائل الإعلام المتعددة الوجوه والأغراض. واستدعى هذا الأسلوب في سبيل إنجاحه عولمة لمفاهيم سياسية/ اجتماعية/ اقتصادية تصبُّ في دائرة ثقافة الاستهلاك السُلَعي، فأسس بهذا ثقافة للمستهلك كتابع للمنتج كل همه أن يلاحق السلعة الأفضل من خلال الدعاية والإعلانوليس من همٍّ لثقافة الاستهلاك غير أن تكون جذَّابة في الشكل، جاذبة للمستهلك بسهولة. فيَعِدّ نفسه بسلعة تُيسِّر له الرفاهية والراحة فيصبح مستهلكاً مُترَفاً أكثر منه راغباً في ثقافة الإنتاج.
إن كل هذا يندرج تحت سقف حرية الرأسمال. هذا في الوقت الذي يمنع فيه كل صوت يصب في معارضة هذا الهدف أو الحد من سلطة رأس المال، فمنع قيام نقابات للعمال، بل حاربها بكل شراسة وقوة. ولهذا فقد أصبح النقيض الدائم للمذاهب الاقتصادية الأخرى ويأتي في الأولوية منها المذهب الاشتراكي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شرَّع لنفسه أن يستخدم، إلى جانب ذلك، قواه العسكرية في الخارج من أجل فرض مفهومه الخاص. وإن الصراع البارد والساخن الذي وسم علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع الاتحاد السوفياتي في مرحلة النصف الثاني من القرن العشرين، كان مبنياً على أيديولوجيا العمل من أجل نشر المبادئ الديموقراطية الرأسمالية القائمة على (حرية رأسمال المال، وحق الرأسماليين في سرقة ليس مواطنيهم فحسب، بل سرقة كل ثروات كل شعوب الأرض). فما قصة هذه الأيديولوجيا؟

أ-نهاية التاريخ عند إيديولوجيا المحافظين الجدد قديمة:
تعود الأصول الفكرية للمحافظين الجدد الى مجموعة مفكرين يهود ظهروا في حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وعُرفوا بمجموعة سيتي كوليدج أوف نيويورك. والمفارقة اللافتة أن بداية النظريات السياسية لهؤلاء جاءت من الفكر اليساري التحرري المتمثل في القيم الاجتماعية والاقتصادية المنادية بالمساواة. لكن مع مرور الوقت وإزاء التحفظ على النظام الشيوعي السوفياتي، وقمع الحريات الذي مارسه ستالين، تحولوا إلى مجموعة فكرية تعادي الشيوعية الى أقصى الحدود.
تعود صياغة إيديولوجيا المحافظين الأميركيين الجدد الأولى، بالتبشير بـ«نهاية الإيديولوجيا» إلى حوالي أربعين سنة قبل فوكوياما. فقد أطلق (رايموند آرون) القول بـ«نهاية عصر الأيديولوجيا» وتبلور الإصلاحات التي أطلقها خروتشوف. وبعده أصدر (دانييل بل) كتابه «نهاية الأيدولوجيا»، في العام 1960.
أكَّدت أطروحات آرون وبل انتصار الرأسمالية الغربية من خلال ازدهار الغرب وبروز دولة الرفاه الاجتماعي، والتوسع الإنتاجي الهائل. بينما كان التعثر والنكسات التي مني بها المعسكر الاشتراكي سمة المرحلة السابقة. وبمثل هذا السقوط، وبمثل انتصار الثورة الديموقراطية الاجتماعية في الغرب، اعتبر الكاتبان أنه لم تعد ثمة حاجة لأيديولوجيا أخرى غير الرأسمالية الليبرالية التي هي وحدها تحدد مستقبل البشرية.
ومن بعد الرعيل الأول من الكتاب، كتب فوكوياما «نهاية التاريخ» بالقول: «إن الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية الغربية لا يؤدي إلى نهاية الأيديولوجيا أو إلى نقاط التقاء بين الرأسمالية والاشتراكية .. ولكن إلى انتصار لا شبهة فيه لليبرالية الاقتصادية والسياسية»، وقد حددها صمويل هنتنغتون بـ«الديمقراطية الليبرالية، السوق الحرة، الحكومة المحدودة، حقوق الإنسان، الفردية، حكم القانون». لكن التطورات اللاحقة في السياسة الدولية بددت سريعاً تفاؤل مفكري المحافظين الجدد، بحيث استفاقت أنظار العالم على خطورة مشروع أمركة العالم وراحت تخوض حرباً ضدها.
هذه النتائج المخيبة عززت من مواقف المحافظين الجدد الداعية إلى ربط العولمة بالقوة العسكرية الأميركية المتفوقة، وانتقلت العولمة من طورها السياسي الأيديولوجي التبشيري إلى طورها العسكري خلال عقد واحد من الزمان.
ليست العولمة مجرد أفكار حول التجارة العالمية والاقتصاد العالمي فحسب، بل إنها تتشكل في صورة ثقافة متكاملة عابرة للقارات. ويرى أنصارها أن هناك ثقافة عالمية تتشكل على نطاق العالم. ثقافة تطمح إلى إشاعة نمط حياة مستوحىً من نمط الحياة الغربية.
انتبهت الولايات المتحدة لأهمية التأثير الثقافي لذلك فعملت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية على تبني سياسات اتصال تضمن تفوقها في هذا المجال الحيوي. وبالفعل تمكنت من الهيمنة على مجال الاتصالات في العالم خلال سنوات معدودة، وفي هذا الاتجاه تم تصميم ونشر العديد من السياسات التي تهدف إلى استيعاب المزيد من شعوب العالم ضمن الثقافة الغربية. لكن شعر المحافظون الجدد أن التأثير الثقافي وحده غير كاف لنشر العولمة فرجحوا التلويح بالقوة الأميركية المفرطة واستخدامها إذا لزم الأمر.
لقد تكوَّنت إيديولوجيا الطبقة الأميركية البيضاء، على مسارات ثلاث:
-عرقياً: حتى تاريخ قريب  كان محظوراً التجاوز على الواقع العرقي المفروض في أميركا، فكان الإعدام يطبق بشكل تلقائي على  أولئك الذين ينتهكون الامتيازات الطبيعية  للأمريكان  البيض.
-طبقياً: في ظل غياب قوانين لتنظيم الإنتاج والمتاجرة، استفادت الشركات الكبرى، وتحوَّلت إلى اتحادات كبرى (تروستات)، سيطرت على مجمل الحياة الاقتصادية الأميركية؛ وطبَّقت مبدأ داروين على الحياة الاقتصادية تحت شعار »إن الأقوى والأكفأ في الصراع مع الحياة هو المنتصر«.
-اقتصادياً: ولكي يضمن أصحاب الشركات الكبرى سيادة رأس  المال، ترافق بناء مشروعهم الإيديولوجي مع هدف الهيمنة على القرار السياسي الداخلي، بالسيطرة على صانعي القرار السياسي، ومفصلهم الأساسي رؤساء الجمهورية.
ولأن المشروع الإمبراطوري الأميركي يقر أن قوة أمريكا سوف تنازعها باستمرار استراتيجية الضعفاء، ويرى في كل دول العالم أعداء محتملين‏، لذا يضع نفسه فوق القانون.‏ وتحاول الإدارة الأميركية سد الفجوات في المؤسسات الدولية ‏بالـ(المناصب القيادية‏)‏ التي قد ينفذ منها أعداء الولايات المتحدة‏,‏ بأناس مخلصين.‏
ومن أجل تمويه القرار الأميركي بغطاء دولي، تستغل الإدارة الأميركية نفوذها في البنك الدولي مثلاً من أجل مساعدة الأنظمة المخلصة لأميركا.

بـ-ديموقراطية زائفة لا عدالة فيها ولا مساواة:
يضمن النظام الديموقراطي الأميركي الحق بإبداء الرأي للمواطن الأميركي، كما يضمن له الحق باختيار المرشحين في الانتخابات التشريعية، واختيار الرئيس. وهذه مسألة ظاهرة تثير الإعجاب. ولكن المواطن الأميركي عليه أن يختار مرشحاً أو مرشحين من بين أسماء محدودين يختارهم الحزبان الرئيسان والوحيدان في أميركا. وبالنظر إلى طبيعة تركيب اتجاهات وإيديولوجيات الحزبين الرأسماليين، فإن الخيار بينهما أحلاهما مر، إذ تفرض تلك الإيديولوجيات خيارات لا يمكن أن تتجاوز مصلحة النخبة الرأسمالية. بل وهناك حظر فعلي لترشيح من هم خارج النادي الرأسمالي، بحيث يعجز غير الرأسمالي أن يوفر نفقات الدعاية وتغطية مصاريف الحملات الانتخابية.
وبالعودة إلى الدستور الأمريكي نجده يضمن حق الانضمام إلى النقابات واختيار المهنة فقط، ولا يعترف بحق العمل والأجر المناسب وحق السكن والطعام والملبس، وحق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، أو حق حماية الأسرة والأم والطفل. وهذا يظهر واضحاً على الصعيد العملي، بحيث يُصدم المرء بحقائق تنتشر في المجتمع الأميركي، لا تنم عن روح العدالة والمساواة بين المواطنين.

جـ-الديموقراطية الرأسمالية ديموقرطية اقتصاد السوق:
يزعم النظام الرأسمالي أن (اقتصاد السوق)، سيحقق التنمية والرفاه الاجتماعي، وستضيق الهوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وسيصهر المجتمع البشري في دولة عالمية خالية من الضغائن والأحقاد الطبقية، بينما واقع الأمر يناقض تلك المزاعم لأن ظاهرة اقتصاد السوق، تعني ترويج السلع التي تنتجها المصانع الكبرى أو تلك التابعة لها كفروع. وهي لا تفسح الطريق لغير تلك السلع. واقتصاد السوق يعني خصخصة الملكية العامة، ووضعها في خدمة الأشخاص الرأسماليين. ويرافق عملية التحويل هذه تشريعات وقوانين تسمح بانتقال السلع والرساميل من دون عوائق، وهذا ما يُسمى بـ«ديموقراطية اقتصاد السوق». والفرق بين الخصخصة، والقطاع العام، هو أنه إذا كانت الملكية عامة تستثمرها الدولة لمصلحة الخزينة العامة، وبالتالي تُستخدم لمصلحة المجتمع الوطني في توفير الخدمات العامة من بنى أشغال عامة وصحية وتعليمية واجتماعية... بينما تعني خصخصتها تحويل عائداتها لتصب في خزائن مالكيها.
وتعني الخصخصة، أيضاً، للرأسمال الخارجي حق التملك وهذا يقود إلى حرية انتقال رأس المال بسهولة ليشكل استنزافاً إلى إخراج رساميل يمكن استخدامها في برامج التنمية الوطنية. وغالباً ما تشتري الرساميل الكبرى الخارجية القطاع العام والأملاك العامة بواسطة وكلاء محليين، لتضفي عليها شكلاً الغطاء الوطني.
وبالخصخصة تحدث عملية تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تابع للشركات الكبرى، ولهذا فعولمة الاقتصاد، ستقود إلى عولمة الأزمات الاقتصادية ، وإذا ما ظهرت هذه الأزمة في الدول الصناعية المتطورة ، فسوف تنعكس آثارها على اقتصاد العالم كله. فالثمن الاجتماعي الذي يصاحب الأزمات الاقتصادية العالمية ستدفعه الطبقات الفقيرة في كل المجتمعات. فالعولمة بسياساتها الانفتاحية وتحرير التجارة ، وتغيرات هيكلية لتكييف الاقتصاد الوطني مع الاقتصاد العالمي يترتب عليها ظهور عدد المشاكل، ومنها:
-زيادة مستويات البطالة وانخفاض المستوي المعيشي للفئات الدنيا والوسطي.
-إنصهار الأسواق المحلية والسلعية والخدمية والعمالية في سوق واحدة يربط الإنتاج الوطني بالطلب في الأسواق الأخرى. وهذا الأمر سيضعها في منافسة غير متكافئة مع التكتلات الاقتصادية العملاقة التي بتوسع نشاطها من دون قيود سيجعل مناطق النفوذ الضعيفة غير قادرة على المنافسة.
وعلى الرغم من كل الادعاءات و الأطروحات، التي يروجها دعاة عولمة الاقتصاد، لا يزال عالمنا اليوم يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، تمثلت في تدني مستويات الدخل وارتفاع عدد الفقراء والعاطلين عن العمل، وارتفاع حجم ديون الشعوب النامية والدول غير الصناعية.
أما الادعاء بأن العولمة قد أنهت الحرب الباردة وحققت السلام فهذا مجرد هراء.  فخطر العولمة هو انتصار التكنولوجيا على الأيديولوجيا، والذي نفهمه بأنه انتصار اقتصاد تحكمه قيم السوق.

-مفاهيم العلمانية والديموقراطية في الاتحاد السوفياتي:
حيثما ورد مصطلح (الاتحاد السوفياتي) في هذه الدراسة يُقصد منه النظام الشيوعي في العالم الذي تأسس في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهار في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. ولاقيمة لدراسة المفاهيم التي سادت حينذاك أكثر من أنها كانت تمثل نهجاً أيديولوجياً زالت تأثيراته على الصعيد العالمي بزوال الاتحاد وتفتيته وعودة أعضائه من الدول إلى أحضانها القومية. فإلقاء الضوء هنا ليس أكثر من تجربة تاريخية لعلَّ في استعادة استذكارها فائدة لدراسات شبيهة بدراستنا.
لقد انبنى الاتحاد السوفياتي على قواعد أيديولوجيا اقتصادية تعتبر أن (الاقتصاد محرك التاريخ) وانطلقت من النظرية الماركسية التي تهدف إلى بناء دولة أممية اشتراكية تتغلَّب فيها مصلحة العمال والفلاحين على أي مصلحة أخرى، وتعمل على عولمة الدولة الاشتراكية كأهم خطوات الوصول إلى الدولة الشيوعية التي تعتقد بأنها الدولة التي (يعمل فيها الإنسان حسب طاقته، ويستهلك فيها حسب حاجته). وهو مجتمع مثالي أفلاطوني، وليس من الغريب أنه انتهى قبل بلوغه القرن من الزمن. لذا فقد فصَّل النظام السوفياتي مفاهيمه في العلمانية والديموقراطية على مقاييس نظريته في الاقتصاد. فكيف حصل ذلك؟

-المفهوم العلماني: انطلاقاً من اعتبار الاقتصاد محركاً للتاريخ، استند الفكر الماركسي في تنمية الطاقات البشرية على مبدأ الإلحاد فأغرق نفسه في التنمية الاقتصادية متجاوزاً التنمية الروحية عند الإنسان وحاجة الإنسان إليها، وباعتباره (الدين أفيون الشعوب) فقد بشَّر بمبدأ الإلحاد. بحيث كانت الثقافة الإلحادية من المقررات التي تُدرَّس في المؤسسات التعليمية في دول الاتحاد السوفياتي. وذلك الواقع يؤدي بطبيعة الحال والواقع إلى اختيار النظام فوق العلماني، الذب طبَّقه بشكل متطرف في قيادة الدولة. وإذا كانت العلمانية مبدأ سياسي للحكم، فتأتي الحل الوسط بين النظام الديني ما قبل العلماني، والنظام الإلحادي ما فوق العلماني.
هذه الإشارة، وكما دلَّت وقائع وواقع ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تكن تعني إلغاء للدين بقرار، بل إغراق المجتمع السوفياتي في معركة ضد الثقافة الدينية عنوانها الترويج للإلحاد، على أن يتم تطبيقه بتغيير الثقافة الدينية تدريجياً بإعداد المثقفين الملحدين أولاً وتوسيع رقعة ثقافة الإلحاد ثانياً. ولذلك أخذت التنمية الاقتصادية مداها الأقصى إلى أن احتلت الدولة السوفياتية مقعداً في صفوف الدول الأكثر تقدماً في العالم، ودخلت في معركة حادة مع الرأسمالية الدولية.

-المفهوم الديموقراطي: وهذا المفهوم أيضاً يرتبط بمفهوم الإيديولوجيا الاقتصادية. إذ أنه باعتبار النظام السياسي نظاماً إشتراكياً يهدف إلى توزيع الثروة المادية بالعدل والمساواة بين مواطني الدولة، فقد انطلق من نقطة اعتبارها دولة للعمال والفلاحين، القائمة على شعار ثورة عالمية للعمال ضد الأنظمة اللاإشتراكية بالقول: (يا عمال العالم اتحدوا). ولهذا، وفي مواجهة ديكتاتورية الطبقات الرأسمالية والإقطاعية، فقد طبَّق شعار (ديكتاتورية البروليتاريا). ولهذا فقد كان حاسماً في أهدافه من دون استخدام وسائل الانتقال التدريجي من مرحلة إلى أخرى.

انطلاقاً من مفاهيم الدولتين الأكبر في العالم، نجد أن لكل منهما مفاهيم للعلمنة والديموقراطية وُضعت من أجل خدمة أهدافهما الإيديولوجية الاقتصادية، خاصة أنهما يمثلان أيديولوجيات متناقضة ومتحاربة، فلا حل وسط بينهما يمكنهما الاتفاق عليه. وعليه فإننا نخلص إلى نتيجة نرفض فيها أن تشكِّل المصالح الفئوية مقاييس تكال بها المبادئ الإنسانية الكبرى.
إرسال تعليق