الاثنين، يونيو 27، 2011

كي لا نكرر تجربة السفسطة بين المثقفين العرب

-->
كي لا نكرر تجربة السفسطة بين المثقفين العرب
تقريب جسور الحوار بتوحيد مفاهيم المصطلحات هو الحل
حسن خليل غريب في 27/ 6/ 2011
يبدو مظهر بعض المثقفين العرب أقرب إلى مظهر الديكتاتورية منها إلى جوهر الديموقراطية الحقيقية عندما يستخدمون توصيفات الأسف والأسى تجاه ما يبديه مثقفون آخرون من مواقف لا تلقى رضى وقبولاً منهم، وتصل عبارات الأسى إلى حدود اتهام البعض ممن لا تروق مواقفهم مواقف الفريق الآسف بأنهم مثقفو أنظمة، أو مثقفو حركات وقوى سياسية تتعاطف مع الأنظمة لسبب مرحلي أو آخر أو أن تلك المواقف لا تعدو كونها تقارباً مع هذا الاتجاه الإيديولوجي لهذا النظام أو تلك الحركة.
ليس أسلوب المزايدة هو أسلوب حواري بل هو أسلوب ديكتاتوري أو إرهابي في حدوده الدنيا حتى لو صدر عن مثقفين لا نشك بمصداقيتهم الثورية، وهذا خطأ لا يزال المثقفون يمارسونه ضد بعضهم. وتتكاثر تلك الأخطاء خاصة حول ما يجري الآن من حراك شعبي قلَّ نظيره في التاريخ العربي. وكان من واجب المثقفين الذين نذروا حياتهم من أجل حقوق الشعب أن يعمدوا إلى تشخيص أسباب ما حصل بهدوء وروية من دون انفعالات وعصبية، وأن يكون دورهم مساعداً ومرشداً للقوى المنخرطة في ميادين العروبة وشوارعها، وهذا ليس انتقاصاً من مستوى الجماهير التي لبَّت نداء التضحية من أجل انتزاع حقوقها، بل هو واجب من لم ينخرط بشكل مباشر في الحراك. إذ يكفي أن يكون المثقف ملتزماً بمصلحة الجماهير من جهة، واكتسب خبرة من ساحته من جهة أخرى.
لا شك بأن القاعدة التي انطلق منها الحراك الجماهيري ترتكز على أهداف نبيلة، وهي أهداف ذات مقاصد ثورية. ولكن المقاصد الثورية ليست نهاية المطاف بل هي بدايته، وقد يخطئ القصد الثوري إذا لم يقترن بالحدود الدنيا من شروط نجاح الثورات.
وفي هذا المشهد تبدو المقاصد الثورية للشعب مما لا يجوز لأحد أن يشكك بثوريتها، ولكن لا يجوز أيضاً السكوت عما يعترض الحراك ومقاصده من عوائق وأفخاخ. وبدلاً من وضع كل الأقلام بخدمة الحراك لكي يتم النظر إلى وسائله وأهدافه ونتائجه بموضوعية، تختلط مواقف الصادقين بثوريتهم وتتضارب وتتحول إلى معركة شبيهة بمعارك أهالي بيزنطية عندما اختلفوا واقتتلوا حول تحديد جنس الملائكة بينما كان أعداؤهم يطرقون أبواب مدينتهم. فبدلاً من أن يتعاضد أهل بيزنطية ويتعاونون على حماية مدينتهم أولاً، فقد غلَّبوا السفسطة على واجبهم الأول، فخسروا مدينتهم ولم يحافظوا على سفسطائيتهم.
هذا الأسلوب يذكِّرني بصراعات القوى التقدمية في مرحلة الستينيات، وقبلها، التي كانت أشد إيلاماً من صراعاتهم مع الأنظمة الرجعية المرتبطة مع قوى الاستعمار بشكل أو بآخر. كانوا يمارسون تنافساً حاداً بينهم بينما كانت القوى والأنظمة التي تقف في المواجهة توحد صفوفها ووسائلها لإحباط أهداف قوى التقدم والقضاء عليها لتمويتها ودفنها.
ولما دلَّت التجارب التاريخية على خطأ ذلك الأسلوب ندعو إلى قراءة تلك المرحلة بدقة وعناية، خاصة أن القوى التي كانت تدق أبواب بيزنطية قد سجَّلت انتصارات كبيرة على من كانوا يتلهون بتحديد جنس ملائكة الثورة من أحزاب وقوى تقدمية، وأطاحت بها وأضعفتها وخلا الجو لها لترسم خرائط ومشاريع من أهم أهدافها منع إعادة الحياة لأجساد تلك القوى أو على الأقل لمنعها من استعادة حيويتها. وكي لا يتكرر المشهد نرى أن القوى التقدمية وأحزابها تواجه الآن ضعيفة هجوماً كبيراً من القوى المضادة الداخلية المرتبطة بعوامل إسنادها الخارجية لحركتها. فهل يتعقَّل المخلصون للثورة ويعمدوا إلى توحيد صفوفهم بطريقة واحدة هي طريق الحوار البعيد عن وسائل التفسيق والتبديع والتكفير والتخوين؟
ولكي لا يصيبنا ما أصاب سفسطائيي بيزنطية.
ولكي لا يصيبنا ما أصاب أنواع من المعارضة في العراق الذين استعانوا بالأجنبي ليسقطوا (الديكتاتورية) حسب زعمهم، فركبوا سفينة الاحتلال الأميركي وهماً منهم  أنه سيأتي بـ(الديموقراطية)، فلم يصيبوا شيئاً منها، ووقعوا في مستنقع الخيانة العظمى. لا بل جلبوا الاحتلال ومارسوا أكثر أنواع الديكتاتورية قذارة على الإطلاق، وسلبوا حقوق الشعب بأكبر عمليات السرقة التي لم يعرف التاريخ مثيلاً لها. وتبيَّن للمضللين، الذين خُدعوا بشعارات تلك المعارضة، أن بعض المعارضة العراقية الذين عادوا إلى العراق، وأعطوا الأولوية لحماية وحدة الدولة العراقية، كانوا على حق على الرغم من أنهم نالوا ما نالوه من أوصاف الانحياز للـ(ديكتاتورية).
ولكي لا نُصاب بداء الانفعال، ولكي نتعلم من دروس الماضي والحقائق التي برهنت الأحداث الماضية على مصداقيتها.
علينا البدء بحوار موضوعي بعيداً عن التخوين والاتهامات الفارغة. ومن أجل البدء بوضع أسس لمثل هذا الحوار نقترح أن تكون البداية بالاتفاق حول توحيد المصطلحات النظرية للقضايا ذات العلاقة بالحراك الشعبي العربي، أو الثورة الشعبية، أو الانتفاضات الشعبية، التي يشهدها الشارع العربي الآن.
ليس هناك خلاف حول المصطلحات التالية:
-الأول: في ظل وجود أنظمة فاسدة ليس هناك علاج إلاَّ الثورة الشعبية.
-الثاني: لا يجوز الدفاع عن أي نظام فاسد سيان كان فاسداً جزئياً أو كلياً.
-الثالث: من أهم قواعد الثورة أن تسقط الأنظمة لا أن تهدد كيان الدولة. وأهداف الثورة أن تحافظ على الهدفين معاً: التغيير الداخلي الجذري مع الدفاع عن وحدة الدولة وسيادتها.
-الرابع: المحافظة على سيادة الدولة من أخطار الحرب الأهلية والتقسيم أو تشريع الأبواب أمام الأجنبي تحت أية ذريعة كانت.
-الخامس: اعتبار كل تعاون مع الأجنبي، مهما كانت الذرائع، خيانة وطنية. وهي جريمة قانونية موصوفة لا اجتهاد فيها. ولا تجيز التهمة بالديكتاتورية أي اعتراف بالتعاون مع الأجنبي أو الاستعانة به. كما لا تشرع هذه التهمة، مهما كانت الذرائع، أي حق للأجنبي بالتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة.
-السادس: بناء على فرضية الخيار بين الإصلاح ووحدة الدولة وسيادة الشعب، نختار وحدة الدولة وسيادتها أولاً.
-السابع: كل ثورة لا بدَّ من  أن تترافق مع ثورة مضادة. ومن أجل ضمان تحقيق أهداف الثورة، لا يجوز التغافل عن وجود نقيضها الذي قد يتنكر في ثيابها.
-الثامن: الثورة الشعبية لا يمكنها أن تحقق أهدافها من دون دليل نظري، ولن يوجد من يفقه هذا الدليل إلاَّ أحزاب منظمة ذات إيديولوجيا شعبية.
وبناء على تلك الثوابت النظرية ننتقل إلى مقاربتها مع ما يجري الآن على أرض الميدان العربي، ومن أهم ما نراه من تساؤلات هي التالية:
-الأول: هل الحراك الشعبي العربي الراهن يحصل من دون معوقات مضادة؟
-الثاني: هل المعوقات المضادة واحدة في كل الساحات العربية؟
-الثالث: هل المعوقات المضادة هي داخلية نظيفة وبعيدة عن أي تدخل أجنبي؟
-الرابع: هل هناك ما يطمئن إلى أن الحراك الشعبي سينجو من حبائل قوى الثورة المضادة الخارجية؟ وهل الإسناد الخارجي الإعلامي لبعض وجوه الحراك هو إسناد بريء؟ بل هل يكتفي بالإعلام أم هناك إسنادات أخرى؟ وهل أهداف الإسناد الخارجي بريء من جر الحراك الشعبي إلى حرب أهلية أو تقسيمية؟
-الخامس: هل أهداف قوى المعارضة اللاجئة إلى الخارج بعيدة عن تنفيذ مخططات الخارج ذاته؟ بل هل تبذل قوى الخارج وتنفق على تلك المعارضة من دعم وإمكانيات لأجل عيون الإصلاح والديموقراطية؟ وهل كل من لجأ إلى الخارج من المعارضين نظيف وطنياً وبريء؟ وهل تقف تلك المعارضة اليوم على حياد مما يجري في أوطانها؟
-السادس: هل من الديموقراطية أن ننقل النظام السياسي من ديكتاتورية داخلية إلى (ديموقراطية) على المثال الخارجي تحت حجة إسناد تلك القوى لبعض ثوابت الحراك الشعبي؟ وهل إسناد تلك القوى لثوابت الحراك تجعلنا نرفض تلك الثوابت؟
-السابع: هل تتساوى أهداف الحصول على إصلاحات مع نتائج التقسيم؟ وإذا كان لا بدَّ من  فرضية الخيار بينهما فأية معركة تسبق الأولى: هل هدف منع التقسيم يحتل الموقع الأول، أم أن الحصول على الإصلاحات له الأولوية؟ وهل ما يجري الآن في بعض ساحات الحراك بعيد عن هذه الفرضية؟
-الثامن: هل الإسناد الذي تقوم به بعض القوى أو الحركات الحزبية العربية لبعض الأنظمة تحت ذريعة حماية الدولة ووحدتها وسيادتها، ينتقص من قيمة الالتزام بالثوابت النظرية؟ وهل اتهام الأنظمة لبعض المشاركين في الحراك الشعبي بالاستناد إلى التدخل الأجنبي مبرر للسكوت عن حقيقة هذا التدخل؟
-التاسع: هل هناك ما يطمئن بأن بعض ساحات الحراك لن تتحول إلى حرب أهلية؟ وهل هناك ضمان لأن لا تقطف قوى الثورة المضادة الخارجية ثمار التضحيات الشعبية لإعادة إنتاج أنظمة أكثر ديكتاتورية من تلك التي تمَّ إسقاطها؟
-العاشر: هل انطلاقة الحراك الشعبي، في ظل غياب الحزب العربي، مبرر لنفي أهمية الحركة الحزبية؟ وبالتالي هل يجوز التنديد بها، من دون دعوتها لممارسة نقد ذاتي داخلي لتصحيح مساراتها ومواكبة المتغيرات الجديدة والاستفادة منها؟
كلها أسئلة لا يجوز السكوت عنها من أجل أن نقلل من المخاطر المحدقة بالحراك الشعبي الذي نعتز به ونشارك فيه: بالشارع، أو بالكلمة، أو بالقلب وهو أضعف الإيمان.

ليست هناك تعليقات: