السبت، مارس 07، 2020

الداعشية اسم حركي لكل القوى الطائفية


الداعشية اسم حركي لكل القوى الطائفية
نقد الظاهرة الطائفية السياسية في لبنان بمناخل فكرية

في وضع لبنان الراهن، أكثر من أي وقت مضى، وفي ظل المشهد السياسي  الذي ما زال أمراء الطوائف يرسمونه، يتأكَّد أكثر فأكثر أن لبنان ليس واحداً موحَّداً بل هو دويلات طائفية مُبطَّنة ينقصها الإعلان عنها بصراحة ومن دون تمويه. وهذا الواقع القائم كان ينتظر نجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد، لأنه جاهز للالتحاق به، نهجاً طائفياً ومشروعاً سياسياً. وجهوزيته واضحة بالخطاب الطائفي والحقن الذي جذب إليه عواطف البسطاء من الشعب اللبناني الذين انطلت عليهم خديعة (حماية الطوائف)، وهو ما استطاع أمراء الطوائف، متحالفين مع بعض المؤسسات الدينية، أن ينجزوه بكفاءة واقتدار. وإنه باستثناء بعض مظاهر تطوير الفكر الديني وتحديثه وعصرنته التي تبرز بين فترة وأخرى، تلك التي تحثُّ على إحلال مبادئ المواطنة بديلاً لمبادئ (حماية الطائفة)، نطلب من أمراء الطوائف ممن يزعمون أنهم لم يشاركوا بإنتاج حالة الاحتقان الطائفي السائد في لبنان، أن يرشق الطرف الآخر بحجر.
أما لماذا نناقش فرضية المقاربة بين المنهج الدعشوي، ومنهج الطائفية السياسية؟
كل دعوة طائفية سياسية دعشوية المنهج العقيدي والسلوك السياسي:
واستناداً إلى تلك المقدمات، وإلى الكثير من أمثالها، سنواكب مدى صحة فرضية التساؤل التالي: هل كل مكوِّن طائفي في لبنان يغني على ليلى داعشيته المذهبية؟
ولكي نستقصي مدى صحة هذه الفرضية، سنبدأ بتحديد مفهومنا للداعشية؟
قام مصطلح داعش اختصاراً لإسم (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وهو مرحلة أولى تلحقها مراحل أخرى، وفي أقطار عربية أخرى، أو في دول غير عربية. ويستمر هكذا، على قاعدة القضم والهضم، ليتحقق تدريجياً مشروع بناء (الدولة الإسلامية في العالم) لأنها تشكل الهدف الاستراتيجي لظاهرة الداعشية. ولكن من الفرضيات الأكثر قبولاً للواقع هو أن الداعشية ما وُجدت إلاَّ لهدف تقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية دون غيرها من دول العالم. ولأن كل دولة دينية ستكون قائمة على مبادئ التكفير. ولأن مفهوم التكفير موجود في كل الأديان والمذاهب، نعتبر أن كل دولة قائمة، أو ستقوم على مبادئ دينية أو مذهبية سياسية هي داعشية بالقوة.
وانطلاقاً من مفهومنا هذا نعتبر أن الداعشية أنموذج لتيارات التكفير الديني، لأن الداعشية منهج اعتقادي ديني يقوم على مبادئ تكفير الأديان أو المذاهب الأخرى؛ كما أنه سلوك سياسي هدفه إقامة دولة دينية تطبِّق تشريعات المذهب الديني الذي يقوم بتأسيسها. ولذلك فإن كل تيار له المنهج والسلوك ذاته يُعتبر فيروساً داعشياً بامتياز.
إذا كانت أهداف داعش هو تفتيت المجتمعات الوطنية، وتكفير أبناء الوطن الواحد بالمبادئ الوطنية، فإن واقع النظام اللبناني، القائم على المحاصصة الطائفية، لا يختلف عن أهداف داعش سوى بالشكل وليس بالجوهر.
أمراء داعش يعتمرون الجبة ويتزينون باللحى الكثَّة، ويُعلنون أهدافهم بوضوح مدعماً بالنص الديني. أما أمراء الطوائف في لبنان، فيرتدون السروال الإفرنجي ورباط العنق الأنيق. يستغلون عواطف الطائفة تحت حجة حمايتها. ومن أجل شدِّ عصبية أبناء الطوائف، تكاثر رجال الدين الذي يحقنون على المنابر بشكل علني.
الدواعش يبررون لأغنياء دولتهم الدينية شرعية ثرواتهم وكأنها هبة من الله، وقد رزقهم من دون حساب. وأمراء الطوائف السياسية في لبنان، ينهبون أموال الناس من دون حساب أيضاً، وهم يزعمون بتغطية من فتاوى فقهائهم أن مصدر ثرواتهم هو مما أنعم الله بها عليهم استناداً إلى الآية القرآنية (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). وإذا كان الدواعش يفتون لأنفسهم لأنهم رجال دين. فإن أمراء الطوائف وظَّفوا رجال الدين ليفتوا لهم بما يصب في مصالحهم. وإذا كان الدواعش يبررون مشروعهم الديني من أجل ما يزعمون أنها نصرة للدين وحمايته. فإن أولئك يبررون زعامتهم بأنها ما وُجدت إلاّ لحماية طوائفهم ونصرتها.
الدعشوية منهج تكفيري للأديان السماوية:
وبنظرة شاملة للمشاريع الدينية السياسية الكبرى المشهورة في عصرنا هذا، تسمح لنا بالحكم على أن قيام الدولة الدينية التي يدعو إليها التيار الديني المسيحي المتصهين هي دولة مسيحية داعشية المنهج والسلوك لأنها تعتبر من لا يؤمن بمعتقداتها كافراً. والدولة الدينية التي تدعو إلى قيامها تيارات الإخوان المسلمين هي داعشية سنية تكفِّر كل ما هو ليس مسلماً، وكل من ليس سنياً. والدولة التي تدعو إليها التيارات الشيعية، خاصة تيار ولاية الفقيه، هي داعشية شيعية، تكفِّر الدول الدينية الأخرى أيضاً.
وإذا كانت كل تلك المشاريع الدينية ترفض أيضاً قيام أنظمة مدنية علمانية. فإنها جميعها داعشية، منهجاً عقيدياً، وسلوكاً سياسياً.

المجتمع الطائفي السياسي في لبنان يحمل فيروسات دعشوية:
وهنا يبدأ السؤال: وما علاقة وضع النظام اللبناني بهذه المقدمة؟ وهل يجوز أن يكتسب النظام الطائفي السياسي صفة الداعشية؟
منذ أن أعلنت الدول التي تزعم أنها حاربت داعش في سورية والعراق، ومنذ أن خفت صوت داعش بعد الحرب المزعومة ضدها، نرى أن الفكر الطائفي لا يزال منتشراً في لبنان. وهذا يؤكد أن الفكر الطائفي لم يكن نتيجة لوجود داعش، بل شكَّل السبب لوجودها. ولو كان العكس هو الصحيح لكان يجب أن ينتهي الفكر الطائفي في لبنان بانتهائها. ولأنه لا يزال مستمراً حتى الآن، وإن كان بصوت أقل ضجيجاً من السابق، لكنه ينتظر أي سبب لتلتهب الأصوات الطائفية من جديد. فالاستنتاج، كما توصلنا إليه، هو أن الدعشوية كانت نتيجة من نتائج الحقن الطائفي، ولم تكن سبباً. وهذا الأمر يدفعنا إلى الحكم أيضاً، بأنه إذا أردنا القضاء على المنهج والسلوك الدعشوي، ومنعه من التسلل إلى لبنان، علينا أن نرفض الفكر الطائفي المنتشر فيه.
ولذلك اعتمدنا على هذه الحقائق لنقوم بمقاربة موضوعية بين الفكر الدعشوي والفكر الطائفي السياسي في لبنان. وذلك لكي لا نترك له جذوراً ستنبت في لحظة من اللحظات التي تصل فيه حدود الحقن الطائفي المتبادل سقف الانفجار. وبهذا، وبعد أن أقفلت في وجهه بوابات الدخول من الباب العربي، نستطيع منعه من الدخول عبر الشُبَّاك اللبناني.
السمات الوطنية في المجتمع الطائفي السياسي خطاب التعايش الشكلي:
يكتفي أمراء الطوائف في لبنان، والمؤسسات الدينية التي تُدار بأوامرهم، بأناشيد (التعايش المشترك) الشكلي، وهي غطاء جميل ولكنه غطاء واهٍ لا يرد فتنة ولا يقي من تجديد نشوب نار الحرب الأهلية.
إذا كان التعايش لغة يعني تبادُل أسباب الحياة وعيش مكونات لبنان الطائفية معًا بأُلْفة ومَوَدَّة، لأنه يصب في مصلحة جميع مكونات الوطن فهو قانون إنساني بلا منازع. وهدف القوانين الإنسانية أن تحقق المساواة والعدالة بين المتعايشين بالحقوق والواجبات. والتساوي يشمل كل المواطنين بدون استثناء، بلا تعددية ولا طبقية، بلا طائفية أو عرقية. وفي أعراف الأديان السماوية يُعتبر مبدأ أساسياً من مبادئ القوانين الإلهية التي يزعمون أنها أهداف لها تعمل من أجل تطبيقها بحيث يشمل البشرية كلها من مشرقها إلى مغربها. فلا مفهوم مختلف له في مجتمع عن مجتمع آخر.
ويزعمون أيضاً أن لبنان وطن التعايش ويفتخرون بحسن تدبيرهم، لمجرد أن يتوافق اللبنانيون على التعايش المشترك الشكلي. لا مِنَّة لأحد منهم بنشر هذا المبدأ، فهو مبدأ إلهي. ولم يفضِّل مسلماً على مسيحي باستلام الحكم، ولم يعط فضلاً لمسيحي على مسلم أيضاً. فإذا حكم المسيحي فعليه أن يطبٍّق هذا المبدأ لأنه أمر إلهي. وإذا حكم المسلم فعليه أن يطبٍّقه لأنه أمر إلهي أيضاً. بل الأفضل بينهما هو من يفصل بين شؤون الدولة وشؤون الدين.
وإذا كان مفهوم التعايش يُعتبر مبدأً إلهياً وإنسانياً، تعيش في ظله جميع شعوب الأرض. فله عند تحالف أمراء الطوائف ومؤسساتها الدينية في لبنان، نكهة خاصة ورائحة خاصة. تحيط به العجائب والغرائب، وغرابته أنه قائم على تبادل عامل اللاثقة بحاكم من غير دينهم، أو من غير مذهبهم.

عامل اللاثقة بين الطوائف اللبنانية مظهر تكفيري بامتياز:
أصبح عامل اللاثقة مرضاً مستفحلاً، ليس لأن اللبنانيين يريدون ذلك، بل لأن أمراء الطوائف، بدعم من مؤسساتهم الدينية الطائفية، هم الذين يروِّجون مبدأً ينص على أن لكل طائفة حارس لا يجوز أن يكون من غير أبنائها. والأغرب منه هو أن المبدأ الخديعة قد انطلت على أتباعهم ومؤيديهم، وأنصارهم ومقلديهم. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على تشكيك أمراء طائفة بأمراء الطوائف الأخرى، وتجاريهم المؤسسات الدينية في تلك المزاعم، على الرغم من أنهم يتبادلون الاعتراف بسماوية دعواتهم، ويتبادلون المجاملات التي تكاد توحي بأنهم أصبحوا على بعد سنتيمرات من سقف توحيد الأديان بدين واحد. كما تكاد تصل بهم إلى أرضية توحيد مذاهبهم بمذهب واحد. ولكن ما تسمعه الأذن وما تراه العين لا يدل على أنهم صادقون، بل يتكاذبون، ويتعايشون على الكذب فيما بينهم. ومن يرى غير ذلك، فليعد إلى أرشيف مؤتمرات (التقريب بين الأديان)، أو منابر (التقريب بين المذاهب) لكي يتأكد من ضخامة الفجوة بين نتائج تلك المؤتمرات وبين واقع العلاقات بين أبناء تلك الطوائف. ليجد أن ما أعدته مؤسسات أمراء الطوائف من مخازن لكل أنواع الأسلحة، التي لوجّيِّرت لقتال العدو لكان اللبنانيون على مسافات قصيرة من سقف بلوغ التصر علىه.
كلهم يدعون إلى التعايش، ولكنهم غير صادقين. فعامل اللاثقة عامل مقصود بذاته، لكي يستمر  نظام الطائفية السياسية، أي نظام استغلال لبنان، بثرواته وشعبه، لمصلحة التحالف بين المؤسسات الدينية والنخب السياسية والاقتصادية. ولهذا لم يستطع أحد من أعضاء هذا التحالف أن يخترق الخطوط الحمراء للخروج من متاهة التكاذب المتبادل، لأنهم مستفيدون من استمراره. وإن عامل اللاثقة هذا، يؤكد أن الغاية منه إعلان وفاة الوطن من أجل مصالح ضيقة لكل التحالفات داخل المذهب الواحد، وكذلك من أجل مصالح تحالف الطوائف السياسية. ولكنهم لم يعلنوا وفاته حتى الآن، وهذا ديدنهم لأن لكل منهم مُغيَّب، أو غائب، يتمسكون به واهمين أتباعهم بأن سيظهر في يوم من الأيام ليخلِّصهم من الظلم والجور.

انتفاضة 17 تشرين الأول تخترق الجدران الطائفية وتبني أسسأ لتعايش وطني حقيقي:
وإذا كانت هذه الصورة قد جمَّدت حركة التغيير الشعبية في لبنان لأكثر من قرن ونصف القرن من التاريخ. فقد لاحت في الأفق تباشير التغيير الجدي عندما فاق الاحتقان عن حده فأدى إلى الانفجار بشكل سريع وغير مسبوق في لبنان. وانتشر الانفجار والغضب وتوسَّع بين شريحة من فقراء لبنان، ومعظم الشرائح الشبابية، وشريحة واسعة من المثقفين الثوريين والأكاديميين. فكانت ظاهرة انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019. فلعلَّها تشكل المدخل الرئيسي لقتل فيروس الدعشوية في نفوس الطائفيين المتعصبين.





ليست هناك تعليقات: