الجمعة، سبتمبر 17، 2010

إخنرنا لكم من أرشيف (طليعة لبنان الواحد)


بانتظار التحولات العالمية الكبرى
هل حدَّدت أنظمة العرب الرسمية خياراتها الصحيحة؟
(افتتاحية طليعة لبنان الواحد)
تشرين الأول 2008
قبل احتلال العراق وقف العالم بأسره خانعاً وخاضعاً للهيمنة الأميركية عندما استولت إدارة المحافظين الجدد على موقع القرار الأول وتفردت بحكم العالم، حيث مانعها من مانع، واستسلم لها من استسلم، وركع أمام جبروتها من ركع.
وأعلن سيد البيت الأبيض نفسه إمبراطوراً للعالم بعد أن دخلت جيوشه إلى بغداد في التاسع من نيسان من العام 2003. وبإعلانه هذا هتف مفكروه وسياسيوه وعسكريوه ورددوا وراءه معلنين ولادة القرن الأميركي الجديد، أي ما يعادل إعلان استمرار القرن الواحد والعشرين قرناً أميركياً بامتياز.
وبعد احتلال العراق، وبأقل من ست سنوات، تبدلت الصورة وانقلب المشهد وراحت الإدارة الأميركية تحت ضغط الشعب الأميركي تعمل من أجل خروج مشرف لها من العراق لتخليص حياة أبنائهم من طاحونة حرب تستقبلهم أحياء يُرزقون، وتعيدهم إلى بلادهم جثثاً في توابيت، أو معاقين على عربات الإعاقة، أو معتوهين يتجولون في المصحات النفسية، أو مجرمين فالتين في شوارع مدن أميركا وبلداتها.
وتم استنزاف اقتصاد أميركا بفاتورة حرب باهظة الثمن، قدَّر الخبراء الأميركيون، بأنها كانت تفوق الألفيْ ملياراً من الدولارات. لم تصدق الإدارة الأميركية في حينه النبأ، ولكنها في الخامس عشر من أيلول من هذا العام أعلنت إفلاس كبرى مؤسساتها المصرفية، وهو انهيار فاق كل التصورات، ترددت أصداؤه وتداعياته في كل أنحاء العالم، وانعكست تأثيراته في إفلاسات دفعت بالملايين من الشعب الأميركي إلى بناء مخيمات بائسة تؤوي إليها من لم يعد يملك إيجار بيت يقطن فيه أو لقمة خبز تملأ زاوية من معدته.
فأعلن العالم أن النزعة الإمبراطورية الأميركية بالتوسع والاستيلاء قد انتهت، وإلى الأبد.
وأعلن العالم ذلك، متجاهلاً أن هذا المتغير الزلزال قد كانت السبب الأساسي فيه المقاومة الوطنية العراقية التي، تحت غضب حرابها، سيخرج جيش الاحتلال الأميركي مستسلماً لقدره بفعل الضربة القاضية، وبخروجه فات قطار القرن الجديد الولايات المتحدة الأميركية وتركها تلعق جراحها على رصيف المحطة.
وبذلك، منتظراً عهداً أميركياً جديداً، راح العالم بأنظمته ودوله يعدون العدة لاستقبال تغييرات جذرية في صياغة نظام دولي جديد، بديلاً لنظام التفرد الأميركي، هذا النظام الذي انتحر على أبواب بغداد. وامتدت التحضيرات لتشمل أنظمة العرب الرسمية، ومنها لبنان.
لقد بدأ التحضير العالمي لاستقبال مرحلة المتغيرات الجديدة، التي أحدثتها سواعد أبطال العراق، الأبطال الذين اعتنقوا عقيدة البعث واستراتيجيته، وكانوا أمناء لقيادة صدام حسين شهيد الحزب والعراق والأمة العربية، الاستراتيجية التي وُضعت من أجل دفع أكبر جيش في العالم إلى الانتحار أمام أسوار بغداد، خاطَّاً لمرحلة جديدة في النظام العالمي، بدءاً من طريقة التعامل مع ما يفترضونه دولاً ضعيفة، مروراً بعلاقات دولية متوازنة بين مختلف الأنظمة، انتهاء بإعادة النظر في العلاقات بين أنظمة الدول الرأسمالية، بما فيها إعادة النظر بالمنهج الرأسمالي الذي، بأخطائه وجشع شركاته، وضع العالم كله على حافة الإفلاس.
إن التحضير جارٍ على قدم وساق، ويُخشى معه من أن تطأ أقدام الفيلة الكبار صغار الدول والشعوب. وسيكون وطئها مؤلماً لمن لم يحضِّر نفسه لشق طريق له بين الدول. وبقدر ما ستكون مؤلمة لمن سيبقى على هامش طاولة الكبار، فإنها ستبشر بالخير، حتى لو كان القليل منه، لأولئك الضعاف هذا إذا أحسنوا الاستفادة من فرض مصالحهم في مرحلة رسم تلك الاستراتيجية، ويأتي العرب، ومنهم لبنان، في المقدمة حيث إنهم هم وحدهم المُثْقَلون بعبء القضايا الشائكة التي تتطلَّب الحلول العاجلة.
يترافق كل ذلك مع وجود ثور رأسمالي أميركي خائر القوى لا يزال يترنح تحت ثقل أزماته التي راكمتها المقاومة العراقية كماً ونوعاً، وراحت الدول الكبرى والصغرى، مستغلة هذه الفرصة الثمينة من أجل إعادة ترتيب بيوتها الداخلية، وعلاقاتها الخارجية، وهي واثقة بأنها ستحصل على أكثر ما تخطط له في مرحلة الضعف الشديد الذي ينتاب جسد أكبر إمبراطورية في العالم.
إن الاستراتيجية البعثية، في إدارة المعركة مع الثور الأميركي، قدمت للعالم كله، بفضل هذا الأنموذج الرائع في التخطيط والتنفيذ، هدية من أجمل الهدايا، وهي أنها جعلت العالم أكثر اطمئناناً على مستقبله بإسقاط أخطر مشروع أميركي عرفه التاريخ.
إن الاستراتيجية البعثية هذه، تشكل أهم النماذج لأقطار الوطن العربي للاستفادة منها، خاصة وأن الرئيس الشهيد، صدام حسين خاطب شعبه العربي قائلاً: سنخوض المعركة مع أميركا، وعليكم أن تستفيدوا منها.
إن هذه الاستراتيجية لا تزال تصلح لصياغة موقف عربي جديد، مستفيداً من هذه الفرصة، وليس أكثر أهمية من  تلك الدروس التي أثبت فيها العراق، وحيداً منفرداً، أنه يستطيع أن يخوض أكثر الثورات تأثيراً في التاريخ. واستطاع ليس أن ينجز النصر في المعركة فحسب، بل أن يدفع أيضاً إلى تفكيك أهم مفاصل عوامل القوة في النظام الرأسمالي الأميركي، وسيفرض عليه اتجاهات جديدة في التعاطي مع كل القضايا العربية، هذا إذا أحسن العرب وسيلة الاستفادة من هذا الظرف.
إن الموقف العربي المطلوب تجاه  كل القضايا العربية يبتدئ بالنظر إليها كرزمة واحدة، وبتوافق عربي يستند إلى أسس من أهمها ثابت المصير العربي الواحد، وهذا الثابت فيه ما يفرض على الجياد العربية التي تجر عربة الحلول أن تقودها باتجاه واحد، وليس باتجاهات متعاكسة، لأن الاتجاهات المتعاكسة لأحصنة الأنظمة العربية الرسمية تكاد تمزق العربة ومعها كل القضايا الساخنة.
هل تستفيد الأنظمة العربية الرسمية من نتائج نضال المقاومة الوطنية العراقية؟
فبالنسبة للعراق، الذي سيتحرر قريباً، بغض النظر عمن سيفوز في انتخابات الرئاسة الأميركية، على العرب جميعاً أن يستفيدوا من تلك الخصوصية، ليغيروا اتجاهاتهم الاستسلامية للأوامر الأميركية ويعلنوا بالفم الملآن أن العراق بلد عربي محتل ولا مناص من إنهاء هذا الاحتلال أولاً، وأن يرفضوا تقديم أية قشة تحسب الإدارة الأميركية أنها تنقذها من الغرق أكثر في العراق ثانياً. وتتم ترجمة هذا الإعلان بدعوة الاحتلال إلى الرحيل من جهة، وأن يبادروا إلى تقديم العون والمساعدة إلى المقاومة الوطنية العراقية، لأنها الوحيدة التي تملك المشروع النظري والعملي لاستعادة وحدة العراق أرضاً وشعباً. كما أن يبادروا للمساعدة على اقتلاع كل من تسول له نفسه بالحلول مكان الاحتلال الأميركي من دول الجوار الجغرافي للعراق.
هل تغادر القوى السياسية في لبنان موقعها التابع للخارج؟
أما بالنسبة للبنان، فمشكلته ذاتية أكثر منها خارجية، أي بمعنى أن القوى السياسية فيه قابلة بتدخل الخارج، بحيث تستقوي كل قوة بخارجها الخاص، وهذا الخارج يدعمها ويسندها من أجل اعتبارها ورقة قوة قادمة يريد استثمارها من أجل فرض مصالحه في مرحلة معالجة التداعيات الحالية والمتغيرات القادمة.
ولأن الجزء الأكبر من أرض لبنان أصبح محرراً بفضل المقاومة، ولأن العدو الصهيوني ينوء بأثقاله أيضاً في مرحلة إنهاك الولايات المتحدة الأميركية كشريك رئيسي، نرى أنه لا مناص أمام القوى السياسية في لبنان من أن تحسم أمرها وتوجَّه حركتها واتجاهاتها وتوحِّد مواقفها وتجميع أوراقها للضغط من أجل احتلال موقع يليق باستقلالية القرار الوطني اللبناني، مدعوماً باستقلالية القرار القومي العربي سواءٌ أكان على الصعيد الرسمي، أم على الصعيد الشعبي.
ولأن المرحلة التي تفصلنا عن نتائج الانتخابات الأميركية وما ستفرزه من متغيرات هي مرحلة تجميع أوراق القوة، على القوى السياسية في لبنان أن لا تهدر هذه الفرصة بل أن تستفيد من مرحلة التحضير الجارية لتجميع أوراق التقارب والوحدة لكي تدخل مرحلة المتغيرات الكبرى بهدف واحد لبناء دولة قوية تعمل على حصد أكثر ما يمكن من نتائج تحصين لبنان من ابتلاعه في مرحلة المساومات القادمة بين القوى العظمى. كما تعمل على نقل لبنان من وصاية الخارج ومتاهاته لتجعل منه دولة متينة لا يمكن أن تكون كذلك إلاَّ بوحدة داخلية متماسكة، وأن تضع نصب أعينها أن طاولات المساومات بين الكبار لن ترحم مصالح من لا يرحم مصالحه.
عطفاً على كل ذلك لا يفوتنا التنبيه إلى أن النتائج التي يريد اللبنانيون الحصول عليها لا تستند إلى كم من الأوراق عليهم أن يجمعوا فحسب، وإنما بالكيفية والوسيلة التي عليهم أن يستخدموها على طاولة اللعبة حينما يحين أوانها أيضاً.
ففي سبيل أن يستفيد اللبنانيون من الفرصة المتاحة الآن، على القوى السياسية في لبنان أن تتفهَّم أن الخارج الذي تستقوي به لحاجتها إلى دعمه وإسناده، فهو بحاجة إلي دعمها وإسنادها أيضاً، وعليها أن تعرف موقعها ولو للحظات من أجل أن ترسي قواعد علاقات متوازنة معه توظفها لخدمة وحدتها الوطنية ومصلحة الوطن. وهي بهذا المعنى عليها أن تغلِّب مصلحة اللحمة الوطنية أولاً وأخيراً، لأنها عنوان تعايش اللبناني مع اللبناني، وإن هذا الأمر يقتضي أن يكون للقوى السياسية حق الاختلاف ولكن داخل الوحدة الوطنية بشكل تام وشامل.
وأن تميز تلك القوى بين حالة التكامل الإنساني بعلاقات متوازنة مع كل دول العالم وقواه السياسية من أجل توظيفها للمصلحة الوطنية اللبنانية، وبين حاجات التكامل القومي العربي، التي لها أسسها ومبادؤها التي لو اختلت موازينها فإنها سوف تلحق الضرر بلبنان والأقطار العربية معاً.
وهل تتراجع الأنظمة العربية الرسمية عن دورها الالتحاقي؟
واستئنافاً لهذا الواجب الوطني اللبناني تجاه العمق القومي العربي، يأتي السؤال: كيف تغادر الأنظمة العربية الرسمية موقعها الالتحاقي بعجلة السياسة الأميركية، وكيف عليها أن توظف تداعيات هذه المرحلة من أجل أن تفرض على كل الإدارات الأميركية معالجة واضحة وجذرية لكل قضايا الأمة؟
كما أنه على قاعدة أن للعرب حق باستقلالية القرار القومي العربي، نفهم أن استقلالية القرار تتناقض كلياً مع موقع التبعية للخارج وتحديداً الخارج الأميركي، نرى أنه من الصحة بمكان أن يعمل العرب على تجميع أوراقهم للمرحلة المقبلة على قاعدة توظيفها من أجل صياغة حلول لكل القضايا العربية الساخنة، ومن أهمها وأكثرها تأثيراً على صياغة مستقبل الأمة، هي المسألة العراقية، والأكثرها مركزية القضية الفلسطينية، والأكثرها تعرضاً للخطر القضية اللبنانية والسودانية والصومالية واليمنية..


ليست هناك تعليقات: