الأحد، أكتوبر 16، 2011

هل من يخترق دائرة الصراع الأمني الجهنمية المغلقة؟

-->
في الحراك الشعبي العربي ضد الأنظمة الرسمية
هل من يخترق دائرة الصراع الأمني الجهنمية المغلقة؟
من أجل حسم نقاط الخلاف في رؤية الحراك الشعبي العربي، الدائر الآن بين أبناء القضية الواحدة، لا بُدَّ من في تقديرنا من أن يبقى سؤال جاهز في مختبرات التشخيص ومشرحة العلاج، وهذا السؤال: لماذا يبدو الخارج، أي كل من هو أجنبي، حريصاً على تقديم المعونة والمساعدة بكل أشكالهما وألوانهما إلى من يزعمون أنهم يمثلون (الثوار) في قلب الحركة الشعبية العربية التي تلف الوطن العربي من المحيط إلى الخليج؟
إن هذا السؤال ليس آتياً من فرضية نظرية، أو احتمال مشكوك بحصوله، وإنما فرضته حقائق الواقع التي نتلمَّس خطورتها على مستقبل الحراك الشعبي أولاً، وعلى مستقبل الأمة العربية ثانياً. وهنا، وكمثال واضح المعالم ندعو إلى أن نتعلم من الدرس الليبي درساً يدفعنا إلى التروي في الأحكام التي نصدرها على هذا الحراك أو ذاك. وهنا، ومن خلال المثال الليبي، نتساءل: إلى أين يسير مستقبل الحراك الشعبي الليبي من جهة، وإلى أي مصير سيرسو عليه مستقبل الدولة الليبية من جهة أخرى، ولعلنا من خلال هذا الأنموذج نخلص إلى معالجة متأنية لإشكالية  أي هدف يجب أن نعطي الأولوية في هذه المرحلة بالذات، بخصوصياتها، منطلقاً ونتائج. وفي تقديرنا لا بُدَّ من من إعطاء الأولوية للمحافظة على الدولة أولاً لأنه بعد قطع رأسها لن تفيده عمليات تجميل أو إصلاح.
كيف نرى صورة المشهد الآن؟
يطرح الحراك الشعبي العربي اليوم إشكالية في الخيار بين أولويتين: هل الإصلاح يسبق المحافظة على الدولة، أما أن العكس هو الصحيح؟ وهل يمكن الحصول على المكسبين معاً؟
لماذا نطرح هذه الإشكالية وبهذه الصورة؟ وهل طرح الخطورة التي تهدد وحدة الدولة له موضع واقعي في هذه المرحلة، أم أنه يأتي من ضمن منطق الأنظمة الذي يلقي بالمسؤولية على ما يسميه البعض بـ(نظرية المؤامرة)، أي يزعم النظام الرسمي العربي أن هناك تدخلاً خارجياً ليستطيع هذا النظام أو ذاك أن يحافظ على رأسه؟
وحدة الدولة أم الإصلاح، نطرحها نحن اليوم بالمنطق الثوري، بمنطق الحريص على الثورة الشعبية، وليس بمنطق الأنظمة، لأننا ضد الأنظمة الرسمية طالما أنها لا تلتفت إلى مصلحة الشعب التي على تلك الأنظمة أن تمثلها بصدق وشفافية. وعلينا على الرغم من كل الاتهامات التي سوف تُكال ضدنا أن نسجل موقفنا الواضح والصريح قبل أن يفوت الأوان. وخير لنا أن نقول هذا الرأي بوضوح قبل أن يلفنا الندم إذا غرقت السفينة في متاهة السفسطة حول من نؤيد: الأنظمة أم الشعب. نحن نؤيد الشعب على طول الخط، وهذا ما التزمنا به، وما نزال نلتزمه خطاً مبدئياً لن يثنينا عنه ترهيب أو ترغيب. وتحت دخان هذه السفسطة غرقت سفينة العراق ولحقت بها سفينة ليبيا، وقد تغرق فيها سفينة أخرى، وأخرى...  لقد غرقت السفينتان في وقت وقع فيه السياسيون العرب بسيل من السفسطات التي كانت تقوم على قاعدة إن أي شيء هو أفضل من نظام تنكر لحقوق الشعب الذي يحكمه تارة، وإن النظام بتنكره لها هو الذي دفع الخارج للتدخل بشؤون الدولة تارة أخرى، تصرَّف أولئك السياسيون وكأنه لا خلاص للشعب إلاَّ إذا حصل على حماية الأجنبي ومساعدته ورعايته.
لقد أجاز السياسيون العبثيون لأنفسهم، إذا لم نقل الواقفون إلى جانب الخارج، تفضيل الاحتلال على ما كانوا يسمونه (الديكتاتورية). وفي أفضل الحالات تشاطروا بإطلاق شعار (لا للاحتلال، لا للديكتاتورية)، وهو شعار عبثي شكلاً ومضموناً.
بعد أن بان أمام عيوننا هلال التدخل الخارجي ببراهين لا يجوز معها أن نطلب براهين أكثر، نستطيع الجزم ليس بالاستنتاج، بل بالواقع البيِّن أن التدخل الخارجي واقع فعلي، وهذا التدخل لا يريد إصلاحاً ولا يريد ديموقراطية، بل يريد من خلال تكثيف دخان المطالبة بهما وتأييدهما، الوصول إلى هدفه الأساسي وهو القضاء على وحدة الدولة بالسيطرة على مؤسساتها ليس لسبب إنساني بل كوسيلة لتطبيع تلك المؤسسات وتفصيلها على مقاسات مصالحه.
إن عوامل الصراع حالياً بين الشعب والنظام تصب في مصلحة العامل الخارجي لأنه الأقوى والأكثر تنظيماً وتجهيزاً والأخطر تخطيطاً وتمويلاً. وهو الأقدر على الاستمرار لسنوات لأنه لا يخسر من جيبه إلاَّ النزر اليسير من الإمكانيات المادية قياساً على التكاليف التي قد يدفعها إذا ما حاول التدخل بشكل عسكري مباشر.
إن ما يدفعنا إلى رفع الصرخة عالياً، في هذه اللحظة، هو أن العنف المتبادل اليوم في الشارع العربي بين شريحة من الشعب والأنظمة الرسمية دخل الدائرة الجهنمية. والدائرة هنا تعني ثنائية العنف المتبادل بين تلك الشرائح والنظام. عنف من هنا تقابله ردة عنف من هناك، ولهذا دخل العنف الدائرة الجهنمية وهو لن يتوقف إلاَّ بمبادرة يعلنها الطرفان معاً، أو أن يعلنها أحد الطرفين من جانب واحد. فهل هذا ميسور؟
من هو الذي عليه أن يبدأ؟ هل من الممكن أن يتفق الطرفان على توقيف حالة العنف؟ هل النظام سيفعلها؟ أم المجموعات التي تمارس العنف باسم الشعب؟
إن الطابع السلمي للثورة يُعتَبَر من أهم شروط الثورة الشعبية في مواجهة قمع الأنظمة، أما البديل فهو الوقوع في شراك الحرب الأهلية. وفي غياب الطابع السلمي للثورة ستبقى الدولة مهددة بالتفتيت، لأن تشريع استخدام السلاح لإسقاط النظام يعني الخطورة الحقيقية، وهو إجازة دائمة لكل شريحة من الشعب بأن تستخدم السلاح كلما اغتصبت الحكومات حقوقها. ولأن المجتمع منقسم لإثنيات طبقية أو عشائرية أو دينية أو مذهبية فسيتحول تشريع حمل السلاح في التغيير الداخلي إلى أداة لكل شريحة اجتماعية ترى نفسها متضررة من أحكام وطنية عامة أو تشريعات أو قوانين. وهل لا يعني لنا هذا المشهد خطورة على وحدة الدولة، ووحدة مؤسساتها؟ وهل لا يعني لنا المشهد في لبنان، كأنموذج، أية خطورة؟ خاصة أن احتمالات الحرب الأهلية فيه مشروع دائم، وهو هاجس يكتوي اللبنانيون بناره؟ وأما السبب فهو أن كل شريحة فيه لها سلاحها الخاص الذي تهدد به الشرائح الأخرى. وتحوَّل سلاح الدولة اللبنانية إلى مراقب محايد يفرض الأمن بالتراضي بين الشرائح اللبنانية كلما اختل توازن المصالح بينها.
من المعروف بوضوح في قوانين الدول قاطبة أن حمل السلاح غير جائز، بل غير قانوني، خارج مؤسسات الدولة الأمنية، وهو منع مشروع سواءٌ أكان النظام قمعياً أم كان ديموقراطياً. ومن المعروف أيضاً أن الشعب الفقير الذي لا يملك ثمن الدواء أو رغيف الخبز لن يملك أيضاً ثمناً للسلاح، خاصة إذا كان من النوع الغالي الثمن. ومن لا يملك ثمن هاتف خليوي عادي، فهو لن يملك ثمن هاتف متطور. ومن لا يملك ثمن بندقية فهو لن يستطيع أن يوفر ثمن رشاش مضاد للطائرات. ومن لا يملك ثمن دراجة فهو لا يملك ثمن دبابة. وهنا نتساءل: من أين يأتي الشعب الفقير، في ليبيا وسورية واليمن... بثمن تلك الأسلحة الثقيلة التي يستخدمونها في مواجهة القوى الأمنية للدولة؟
هل لا يعني لنا هذا التفصيل شيئاً عندما نجد تلك الأنواع من الأسلحة بين أيدي من يزعمون أنهم ثوار يقاتلون باسم الشعب؟ وهل ليس علينا أن نتساءل: من أين أتى هؤلاء الثوار الشعبيون بثمن تلك الأسلحة؟ وهل علينا أن نتجاهل بأن من يستطيع تمويلها هم أغنياء موسرون؟ وهل يموِّل الموسر ثورة لا تصب في مصلحة الأغنياء؟
وتالياً، ومن منطلق واقعية الأمور، بالاعتراف بأن للخارج مصلحة ودور غير مجهولين، ولا يخضعان لمنطق الاستنتاج أو الاحتمال، بل لمنطق التأكيد. فهل لم يشد انتباه النابهين لماذا تسطو المؤسسات الأممية على أصول مالية عائدة لليبيا مثلاً؟ تحجبها بقرار عن حكومة كانت إلى الأمس القريب تعترف بشرعيتها، ثم تفرج عنها بقرار آخر لتسلمها إلى من تزعم أنهم ثواراً؟
ليس هناك من شك، بحده الأدنى، أن تمويل العمل العسكري لمن يزعمون بأنهم يقاتلون أبناء وطنهم، من المنتمين إلى المؤسسات الأمنية، ويقتلونهم، هو تمويل جاء إما من شرائح غنية، وإما من جهات أجنبية. وهنا لا بُدَّ من التساؤل: هل قامت تلك الأطراف بتمويل من تزعم أنهم ثوار لأنها تنتصر لحقوق الشعب؟ وهل تمولهم حباً بالديموقراطية والإصلاح؟
إن هذه الحقيقة: تمويل من الخارج لا علاقة له بإصلاح ولا ديموقراطية، بل لأهداف أخرى معلومة منا ومنه. وتخطيط منه للإخلال بالأمن للضغط على النظام الرسمي من أجل جره إلى تلبية إملاءاته وأوامره. وجانبا الحقيقة لن يتناسبا مع العمل لوقف إطلاق النار طالما أن النظام لم يستجب لمطالب الخارج، وهذا يعني أن إيقاف العنف لا يصب بمصلحته، ودائرة العنف المتبادل ستبقى مغلقة، وقرار فتح كوة فيها أصبح بيده. وبالتالي، وهو الأهم، فإن القوى الخارجية لن تطلب ممن تقوم بتوظيفهم بالإخلال بالأمن، أو من المستحيل أن تطلب منهم إيقاف عملياتهم الأمنية، لا من جانب واحد، ولا حتى إذا أوقف النظام الرسمي عملياته القمعية. وهكذا يبقى استمرار العنف ساري المفعول بين من يزعمون أنهم ثوار وبين أجهزة النظام، ولن تنكسر دائرته الجهنمية، إلاَّ بإحدى نتيجتين:
-إما أن تُسقِط القوى الخارجية النظام لتبديله بآخر يضمن لها مصالحها، وحكماً ستبيع تلك القوى شعاراتها المعلنة التي زعمت أنها إنما قدمت المساعدة من أجلها لمصلحة الشعب. وإذا حصل هذا الاحتمال فسيعني تعريض الدولة لهيمنة القوى المتحالفة من الخارج وعملائه.
-وإما أن يقوم الثوار الحقيقيون بإضعاف دعاة الثورة، ممن يستخدمون السلاح بأوامر من الخارج، وذلك بعزلهم عن أي حراك شعبي حتى لو اقتضى الأمر الحد منه، أو حتى إيقافه مرحلياً، لكي لا يبقى الشارع الشعبي عباءة يتلطى تحتها المندسون في صفوف الثورة.
وقبل أن نصل إلى استنتاج أخير، لا نستطيع قياس اقتراحاتنا على ثورتيْ تونس ومصر، فلهما خصوصيات قمنا بتفصيلها في مقالات أخرى.
ومن كل ذلك نستنتج أن فرض الإصلاح من دون التفريط بوحدة الدولة، أو الانتقاص من سيادتها، سيكون نصراً شعبياً تاريخياً. وأما في المفاضلة بين الإصلاح ووحدة الدولة، فنرى أنه لا يمكن أن ينال الشعب المكسبين معاً ضمن ظروف الثورة الحالية، فلا معنى إذن لإصلاح من دون دولة.
وهل التجربة في العراق ببعيدة عن أنظار الشعب العربي؟ لقد انخرط عملاء الاستعمار في احتلال بلدهم واعدين بالديموقراطية السياسية وبالرخاء الاقتصادي والاجتماعي، فخسروا بلدهم وخسروا معها كل الوعود بالعيش الحر الكريم. وعلى كل من لديه إحساس بخطورة ما يتم تخطيطه لوطننا العربي أن يتفكَّر بالحكمة القائلة: (من لم يمت، عليه أن يتعظ بمصير مات).



ليست هناك تعليقات: