الجمعة، مارس 18، 2016

المقاومة الوطنية العراقية: (معركة الحسم ضد الفرسنة): (الحلقة الرابعة)


المقاومة الوطنية العراقية
(معركة الحسم ضد الفرسنة)
(الحلقة الرابعة)
(4/ 7)

حسن خليل غريب

أولاً: المرحلة الأولى:

التمهيد للثورة الشعبية

(من أوائل العام 2012 إلى اوائل العام 2013):

1-واقع العملية السياسية التابعة للاحتلال:

بعد خروج قوات الاحتلال الأميركي مهزومة من العراق، في أواخر العام 2011، وكانت إدارة أوباما قد اتخذت ذلك القرار بعد أن وفَّرت، كما كانت تحسب، قواعد الاستقرار لـ(العملية السياسية)، وتلك القواعد كانت مبنية على الأسس التالية:

-بإظهارها وكأنها عملية سياسية شرعية مغطاة بانتخابات شكلية كانت نتائجها معلبة مسبقاً.

-ضمان الأمن الداخلي للعراق: تدريب قوات عسكرية وأمنية ومخابراتية على عقيدة طائفية ووظائف داخلية. وبالإضافة إليها، فقد عمَّ انتشار الميليشيات المسلحة التابعة للتنظيمات الدينية كمنظمة بدر، وفيلق القدس، وفصائل أهل الحق، وميليشيات الصدر، وغيرها.

-ضمان الأمن الخارجي للعراق: بعقد اتفاقات عسكرية وأمنية على أن تقوم بمهمة الدفاع الخارجي القوات الأميركية التي نُقلت إلى قواعد عسكرية داخل العراق.

-يتبادل الطرفان المتحالفان: الأميركي والإيراني مهام حماية العملية السياسية.

ولذلك بعد العام 2011، كان العراق خاضعاً لحكومة محلية ووجود إيراني يشرف على كل مفاصل الحياة فيه. وإذا كان المحتلان قد ضمنا حماية مصالحهما بمثل هكذا حكومة. فإن عملاءهما قد ضمنوا مصالحهم الخاصة باستباحة حقوق الشعب العراقي. ولهذا كانت العملية السياسية أنموذجاً للفساد من بين كل حكومات العالم. هذا الواقع الفاسد جعل حياة العراقيين جحيماً، فوصلت مراجل الغليان الشعبي حدودها القصوى. وإذا استثني عامل التحرر الوطني، كانت عوامل الفساد كافية لوحدها لتشكل أهم الدوافع لاستقبال أي شرارة احتجاج لتلتحق بها الجماهير الشعبية.

وفي المقابل، كانت للمقاومة حركتها الداخلية غير الظاهرة للعيان، في الوقت الذي كان يبدو فيه المشهد العراقي للمتابع من خارج، وكأن المقاومة قد انتهت، أو كأنها خرجت من موقع التأثير في مجرى التاريخ العراقي. ولأن الخروج الأميركي أحدث متغيرات جديدة ووقائع جديدة، كان لا بد للمقاومة من أن تأخذها بعين الاهتمام لترسم خطواتها اللاحقة. وهذا ما سيوضحه التقرير.

 

2-المقاومة العراقية والتخطيط لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي كان خارج الأضواء:

كمثل كل المراحل التي جرى فيها التعتيم على أداء المقاومة وتجهيل دورها، كانت هذه المرحلة لا تشذُّ عن سابقاتها. لا بل إن هذه المرحلة كانت الأشد في التعتيم، ويعود جزء من الأسباب إلى أن اختفاء جنود الاحتلال الأميركي عن الشوارع أبطل مفعول العمليات العسكرية، هذا إذا لم يلغها تماماً، واقتصر عمل المقاومة على استهداف القواعد الأميركية بعدد من الصواريخ من فترة إلى أخرى.

وفي المقابل فإن الإعلام المعادي للمقاومة، أو الإعلام المؤيد لـ(العملية السياسية) كان ناشطاً إلى أبعد الحدود، إذ كانت كل أهدافه هو غسل الأدمغة من التهم الموجهة إلى كون تلك العملية امتداداً لمرحلة الاحتلال. وحينذاك كان الإعلام يضفي علىها صفة الشرعية من جهة، وتغطية حالات الفساد الهائلة التي كانت تمارسها من جهة أخرى. وقد وصل الأمر إلى إضفاء صفة الديموقراطية الفريدة على طريقة وصول الحكومات المتعاقبة التي تم تشكيلها منذ أول انتخابات تم إجراؤها في العراق المحتل. وبالفعل نُسخت تهمة العمالة اللاحقة بها، وفُتحت لها أبواب المؤسسات الرسمية العربية والدولية لإضفاء المزيد من الشرعية عليها.

فكان عنوان المرحلة عند الإعلام الإيراني والأميركي ممارسة المزيد من التعتيم على نشاط المقاومة. ولم يبق من أحد يتابع حركتها غير المنظورة إلاَّ قلة من الحركات والأحزاب الوطنية والقومية. فكانت قراءة البعد الثالث لتلك الحركة ضرورية لإبقاء الأمل حياً في استراتيجية المقاومة. وفي البعد الثالث ما يجب قراءته من أجل معرفة ما كان يجري في كواليس المقاومة بعيداً عن الصورة الخبرية. وضرورة هذه القراءة عائدة إلى تأكيد أن حركة المقاومة لم تهدأ إطلاقاً بعد الانسحاب الأميركي في العراق. ومن أجل أن لا تكون الأحداث الثورية الكبرى التي توالى حصولها في العام 2014 مفاجئة للجميع وكأنها جاءت بقدرة سحرية. بينما كان العكس هو الصحيح، لأن تلك الأحداث كانت نتيجة تخطيط متواصل وإعداد دقيق في اجتماعات قيادة المقاومة.

لذا كان الواقع حينذاك يتطلب نظرة استشراف استراتيجي، يعتمد على تحليل عوامل النجاح الثوري للمقاومة العراقية، تلك العوامل مكونة من المنهج السياسي الاستراتيجي أولاً، والقوة البشرية التي تحمل هذا المنهج ثانياً، وتعمل على ترجمته إلى واقع تنفيذي ثالثاً. أي باختصار، فقد تلازمت الاستراتيجية النظرية للمقاومة وتكاملت مع القوة المنظَّمَة التي تعمل على تطبيقها. لذا كان اللقاء بين البعث واستراتيجيته في تحرير العراق لقاءً على مستوى عالٍ من الوعي والأداء.

وللكشف عما كانت تعتِّم عليه أجهزة الإعلام المعادية من نشاط المقاومة، وكي نقدِّم صورة أقرب ما تكون من الموضوعية عن واقعها في مرحلة التمهيد، فيجب أن نضع المعادلة العلمية التي تربط بين البعث واستراتيجيته في الحسبان، وهذا الربط كان ما يزال يشكل المعيار الموضوعي الذي نقيس به نتائج حركتها في معركة المواجهة التي كانت تدور بينها وبين فلول الاحتلال الأم.

في ظل التعتيم الإعلامي الحاد خاصة بعد إعلان الانسحاب الأميركي، وبعد تلزيم النظام الإيراني ملف العراق لتستبيحه وتعمل على تفكيك ما تستطيع من نسيجه الاجتماعي والوطني، كان التساؤل يجري حتى على المستوى الحزبي للتنظيمات القطرية، على الشكل التالي: هل انتهى دور المقاومة؟

إن النظر للواقع الذي اختفى فيه دور المقاومة بمنظار خبري، كاد يؤدي إلى غموض وعجز عن رؤية مستقبل المواجهة التي كانت المقاومة تقودها ضد ما تبقى من قوات أميركية أولاً، وضد الاحتلال الإيراني البديل ثانياً، وضد أدواتهما في الحكم ثالثاً. ولهذا كان يجب النظر إلى ما كان يدور من منظار استراتيجي يستند إلى أن المقاومة تستكمل ما نصَّ عليه منهجها السياسي الاستراتيجي أولاً، وأن القيادة التي أنجزت أهم أهداف ذلك المنهج هي نفسها التي تقود المراحل الأخرى. وإن من أنجز ما هو أمرُّ وأقسى، فلن تعوزه الحكمة من متابعة إنجاز ما تبقى من مراحل تحرير العراق.

ومن أجل توضيح دور المقاومة العراقية في مرحلة التمهيد لا بدَّ من التذكير باستراتيجيتها المعلنة منذ التاسع من أيلول من العام 2003، وبما جاء في بيان قيادة قطر العراق المؤرخ في 8 تشرين الأول من العام 2003.  واستراتيجية المقاومة المعلنة هي تحرير العراق بشكل تام من الاحتلال الأميركي، ومن عملائه، وحرق أصابع دول الإقليم التي تواطأت مع الاحتلال. ولأن الاحتلال الأميركي الأم، والاحتلال الإيراني البديل يتستران تحت خيمة اسمها (العملية السياسية) التي يقودها العميل نوري المالكي، فإن حركة المقاومة العراقية النضالية تولي اهتمامها الرئيسي من أجل تقويض أعمدة تلك الخيمة لتجويفها من الداخل، وإسقاطها شعبياً.

 

3-متغيرات جديدة توجب وضع خطة مرحلية جديدة:

إن آليات مهمات المقاومة العراقية قد طرأ عليها متغيرات بعد هزيمة الجيش الأميركي. ومن أهم هذه المتغيرات هي تحديد أولوياتها في العمل، وذلك بترجيح كفة الدور السياسي على كفة الدور العسكري. أي إن العمل على إسقاط (العملية السياسية) حلَّ في المرتبة الأولى، ويليها مواجهة التأثير والتواجد الإيراني، وأما التأثير العسكري الأميركي فقد حلَّ في المرتبة الأخيرة. علماً أن العاملين الإيراني والإميركي في تلك المرحلة كانا يستظلان تحت خيمة (العملية السياسية) ويستمدان شرعية تدخلهما في العراق منها، بعد أن كبَّلاها بمجموعة من الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية. وهذا يعني أن تقويض تلك العملية هو تقويض لقوى التأثير الخارجي، وإلحاق الهزيمة بهما معاً.

من أجل إنجاز هذه المهمة كانت المقاومة العراقية تقوم بعملها على صعيدين اثنين، وهما: استكمال العمل العسكري حيثما يتطلب الأمر ذلك، والقيام بأداء سياسي يتكامل مع حركة الشعب العراقي.

 

أ-الخطة المرحلية العسكرية:

بعد إنجاز صفحة المقاومة العسكرية ضد قوات الاحتلال الأميركي، انتقلت مهمات المقاومة العراقية إلى صفحات سياسية أكثر تعقيداً من الصفحات العسكرية لأن سلاحها سياسي يقتضي الحنكة والوعي واتخاذ الخطوة المناسبة كلما نضجت ظروف اتخاذها. إن دور العمل العسكري انكفأ بسبب متغيرين اثنين، وهما:

-الأول: استهداف ما تبقى من جنود الاحتلال الأميركي إلى قواعد عسكرية بعيدة عن متناول المقاومة العراقية، والتلطي خلف واجهة سياسية وأمنية وعسكرية عراقية تشكل له الحماية والغطاء، وتوفِّر عليه الكثير من الخسائر بالمال والأرواح، وهذا يعني أن العمل العسكري قد خفَّ تأثيره، واقتصر على قصف تلك القواعد بالمدفعية والصواريخ.

-الثاني: استهداف عملاء الاحتلالين الأميركي والإيراني، سواءٌ أكانوا في أعلى الهرم السياسي والعسكري والأمني، أم كانوا من صغار المجنَّدين من الذين يصرون على تهديد أمن المقاومة والشعب.

ب-الخطة المرحلية السياسية:

إن العمل السياسي، في تلك المرحلة يتفرَّع إلى مهمتين: داخلية وخارجية.

-الأولى: المهمة السياسية الخارجية وهدفها بناء علاقات في شتى الاتجاهات العربية والإقليمية والدولية. فكان مكتب العلاقات الخارجية للمقاومة ينشط في هذا الاتجاه، سواءٌ ببناء علاقات مع الدول مستفيداً من التقاطعات بالمواقف السياسية والأمنية، أم ببناء علاقات مع الهيئات والجمعيات الأهلية أو الدولية أو الإنسانية من أجل كشف ما تقوم به قوات الاحتلال الأصيل والاحتلال البديل من جرائم وفساد تحت مظلة (حكومة الاحتلال).

-الثانية: المهمة السياسية الداخلية، وتهدف إلى تقويض دعائم (العملية السياسية) بوسائل سياسية أولاً، والعمل الأمني - العسكري بملاحقة رموز تلك العملية، سياسيين وعسكريين، للاقتصاص منهم ثانياً.

إن المتغيرات في واقع الاحتلال، إذن، أدى إلى متغيرات في عمل المقاومة على الصعيد السياسي الداخلي. وتلك المتغيرات تعني على أرض الواقع أنها نقلت المقاومة إلى مواجهة مباشرة مع من يشغلون الواجهة السياسية والأمنية في حكومة الاحتلال. وهذا الوضع يشبه إلى حد كبير مواجهة بين العراقيين أنفسهم، إذ قد يقاتل فيها العراقي عراقياً آخر، وتلك مواجهة يغلب عليها الطابع (الأمني السياسي)، والتي تستخدم فيها المقاومة سلاحاً يشبه مبضع الجرَّاح الماهر، الذي يعمل على استئصال الجزء الخبيث من المرض من جهة، وأن لا يؤذي الجزء السليم من العضو الذي يخضع للجراحة من جهة أخرى.

يصبح العمل الأمني السياسي الداخلي حاجة وضرورة على شرط ممارسته بدقة وحرص وعناية فائقة، وهذا يصبح واضحاً إذا ما عرفنا أن مهمات المقاومة انتقلت من ملاحقة جنود الاحتلال وهي عليه أسهل من ملاحقة عراقي عميل. فجندي الاحتلال مثلاً واضح بلباسه وبندقيته وآليته وقاعدته ومكتبه، أما العميل العراقي الذي ينوب عن الجندي الأميركي فأمر اكتشافه صعب حتى ولو كان يرتدي زي الجندي الحكومي أو الشرطي الحكومي، فهذا أو ذاك قد يكون من المضللين أو من الذين استغلَّ الاحتلال أو عملاؤه وضعهم المعيشي من أجل تجنيدهم في السلك الحكومي الأمني.

إذن أصبح المقاوم العراقي يقف في مواجهة العراقي الذي يخدم في السلك الحكومي، والخدمة تعني أكثر من جندي أو شرطي، ضابطاً أكان أم فرداً، بل تعني كل موظف يعمل في مؤسسات الدولة الرسمية، ولا تستثني من ذلك بعض المترددين والخائفين من كبار السياسيين. وهذا الأمر كان يعني أن جزءاً كبيراً من عمل المقاومة قد يصب في دائرة الحرب الأهلية إذا أخطأت الهدف في التمييز بين من هو مغلوب على أمره، وبين من هو يشارك عن سابق إصرار وتصميم. ومن البيِّن أن المقاومة حريصة على الحؤول دون الوقوع بالخطأ، خاصة وأنها أعلنت ذلك في أكثر من بيان أو تصريح أو مقابلة صحفية.

ولأن للحركة الشعبية دور أساسي في إسقاط العملية السياسية، يصبح العمل السياسي بين الجماهير ضرورياً لجذب المترددين من أطياف الشعب العراقي، ولذلك يجب أن يتصف بالحذاقة والتطمين والإقناع، كما يتطلب مهارة ودراية في تحريكه للمطالبة بحقوقه المنتهكة على كل الأصعدة. ومن ضمن ما يمكن أن يتصف به جهد المقاومة السياسي مع الجماهير العراقية، نذكِّر ببعض ما يلي:

لما أصبح الاحتلال احتلالاً غير مباشر، وهذا أمر قد لا يدرك العراقي العادي أبعاده وخطورته، فقد تكون نقمته على الاحتلال قد خفَّت بعد تجميع من تبقى في قواعد معظمها بعيداً عن أماكن السكن. وهذا أمرٌ كان يتطلب الكشف عنه وتعريته، خاصة أن التضليل الإعلامي، الذي مارسته أجهزة الإعلام الأميركية والإيرانية، قد مسخ هوية حكومة المالكي العميلة وجعلها تبدو كأنها حكومة شرعية يقودها عراقيون وصلوا إلى الحكم وفق قواعد ديموقراطية مبنية على انتخابات تشريعية.

لهذه الأسباب، كان يمكن في تلك اللحظة اعتبار مهمة المقاومة العراقية ذات شقين:

-الأول وطني، باعتبار حكومة المالكي بمثابة حكومة للاحتلال، فمن يشارك فيها أو يدعمها يكون كمن يرتكب جريمة الخيانة الوطنية. والعمل ضدها يتساوى مع العمل ضد الاحتلال.

-والثاني مطلبي، ويقتضي استنهاض الشعب العراقي لاستعادة حقوقه وانتزاعها مستفيدة من أخطاء وجرائم من يتولون مسؤولية (العملية السياسية). ومما يساعد على ذلك أن تلك الأخطاء والجرائم أكثر من أن تُحصى. وأن المواطن العراقي ليس بحاجة إلى أدلة وبراهين على وجودها لأنها كانت تلذعه كل يوم في مأكله وملبسه ومرضه ومنع العلم عن أبنائه، و..و..، وهو الضحية التي تنال من الأذى ما تناله.

ولهذا بعد أن وُضع الشعب العراقي في مواجهة مغايرة لمرحلة الاحتلال المباشر، أخذ يتحفَّز هنا أو هناك من أجل القيام بثورته المطلبية في وجه حكومة عميلة فاسدة تتلطى تحت قناع (العملية السياسية)، بمن فيها من عملاء يؤدون أدواراً سياسية، وبمن يؤدي أدواراً عسكرية وأمنية، ومنهم من يؤدي أدواراً في الفساد الإداري والاقتصادي والاجتماعي.

لقاء هذا الواقع رفعت قيادة المقاومة شعارات لتلك المرحلة، ومن أهمها: إن الحكومة التي شكَّلها الاحتلال، هي احتلال آخر؛ ومواجهتها في هذه المرحلة مهمة أساسية في مواجهة الاحتلال.

ولم تمض نهاية العام 2012، حتى أخذت مظاهر البداية في حراك شعبي عراقي يُنبئ بالاستمرارية، كما يُنبئ أنه أتي بزخم شديد ولن يتوقَّف.

 

ليست هناك تعليقات: