الاثنين، نوفمبر 28، 2016

لكي لا تضيق صدور الثوريين بالثوريين

لكي لا تضيق صدور الثوريين بالثوريين

تعريف المثقف الثوري:
إذا كان حزب البعث العربي الاشتراكي، كما نصَّت المادة الثانية من نظامه الداخلي، (يعتمد على قاعدة من العمال والفلاحين وصغار الكسبة، وكافة الثوريين عسكريين ومثقفين، التي تمثل انعكاساً حياً لأهدافه القومية والاشتراكية، وتؤثر تأثيراً واضحاً في حماية وحدته واستعداده النضالي الثوري وتقوية الأسس التي يقوم عليها نظامه). فهذا يعني أن المثقفين الثوريين هم جزء أساسي من الهيكلة التنظيمية لا يمكن للحزب أن يستمر من دون دور لها.
وهنا، كي تكون الصورة أكثر وضوحاً، علينا أن نضع مفهوماً واضحاً لما يقصده الحزب بـ(المثقف الثوري). ومن أجل ذلك، ولأن الحزب يؤمن بالثورة طريقاً للتغيير، فلا بُدَّ من أن يكون كل حزبي ثورياً، سواءٌ أكان الحزبي عاملاً أو فلاحاً أو من صغار الكسبة أو عسكرياً أو مثقفاً. وكل من هؤلاء يلعب دوراً ينجح فيه في رفد الثورة. فلا معنى لقيام حزب يحمل فكراً هدفه التغيير من أجل توفير مصالح الشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة، من دون تلازم وتعاون وتعاضد بين شتى شرائحه الاجتماعية التي يتكون منه البنيان الداخلي للحزب، بحيث تتكامل الأدوار وتتناسق في أنظومة تشبه خلية النحل. فجماهيرية الحزب من دون وعي ثقافي ثوري تصبح تائهة من دون دليل نظري، وفكر الحزب النظري من دون شريحة الطبقات الثورية الكادحة، يصبح كساع إلى الهيجاء من دون سلاح.
وما سنركز عليه في هذا المقال هو أن نضع مفهوماً للمثقف الثوري، ومفهوماً آخر للمثقفين الثوريين، وسنفعل ذلك على ضوء التساؤل التالي:
هل تتشابه أدوار المثقفين الثوريين إذا كان بعضهم قريباً من بيئة اجتماعية وسياسية وعسكرية ساخنة، والبعض الآخر بعيداً عن تلك البيئة؟
وإذا انقلبت طبيعة البيئة الساخنة ودخلت مرحلة الهدوء، وفي الوقت ذاته إذا انقلبت طبيعة البيئة التي كانت هادئة إلى بيئة ساخنة، هل يصبح المثقف الذي يعيش بعيداً عن البيئة الساخنة متهماً؟ وهل لا يجوز له أن يستمر في الإنتاج الثقافي والاجتهاد فيه؟
واستئنافاً لذلك، هل الذي تفرض عليه ظروف النضال الابتعاد عن ساحته الساخنة لأسباب قسرية، أو لمهمة نضالية، يصبح إنتاجه أقل شأناً ممن يبقى على ساحة النضال الساخنة؟ وهل عليه أن يبتعد عن التنظير الفكري؟ وأما إذا فعلها فهل يصبح فعله، ترفاً فكرياً؟ وأما الأقسى من كل ذلك هل يصبح تنظيره معادياً لنضال المناضلين إذا اختلفت اجتهاداته مع اجتهاداتهم الفكرية؟ أو هل إذا اجتهد في جانب فكري مما لا علاقة له بثوابت حزبه الفكرية، بل في تفصيلاتها، عليه أن يتوقف عن اجتهاده؟ وإذا إذا لم يفعل ذلك فكأنه يسيء إلى الحزبيين الذي يعايشون ساحاتهم الساخنة؟
وبالعودة إلى تعريف المثقف الثوري، فماذا نجد؟
إن المثقف الثوري، هو المثقف الذي يوظِّف ثقافته من أجل قضايا وطنه ومن أجل قضايا الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وصغار الكسبة. وأما المثقف الوظيفي هو الذي يوظِّف ثقافته وخبرته العلمية من أجل أرباب العمل، أو من أجل أرباب السلطة. وطالما ظل المثقف واقفاً خارج وصاية السلطة، أو وصاية أرباب العمل، وهم غالباً من أصحاب الرساميل، فسيبقى أقرب إلى الثورية منه إلى وصاية من يقفون بالضد من مصلحة الطبقات الكادحة. وتزداد ثوريته بالدرجة وليس بالنوع. فمن المثقفين من ينخرط في العمل العسكري بآفاقه التحررية، وهذا أعلى درجات الثورية. ومنهم من يكون بعيداً عن ساحات القتال العسكري لظروف قسرية، وطالما بقي واقفاً إلى جانب الثوار بفكره وقلمه ونشاطاته الثقافية والفكرية والإعلامية فتصح عليه المقولة التي تنص على أن لـ(لبندقية والقلم فوَّهة واحدة). وحتى المؤيد بقلبه فقط، لسبب أو لآخر، يجب أن يكون محسوباً على دائرة الثورة، مع أنه أضعف الإيمان.
استناداً إلى ذلك، فنحن لن ننساق إلى اعتبار من لا تسمح له ظروفه بالمشاركة في أعلى درجات الثورية، أو بأقل منها درجة بسلم التصنيف، بل يشارك بأي نشاط فكري أو ثقافي بأنه يمارس ترفاً ثقافياً أو ترفاً فكرياً، طالما أنه يسند خابية الثورة ولو بحصاة واحدة.
لن أرد على أحد ممن يعتبرون أنفسهم من الثوريين، ويرشقون الآخرين البعيدين عن الساحات الساخنة، بأنهم يمارسون الترف الفكري في أجوائهم البعيدة عن الخطر. لن أتوجه إليهم بأكثر من أنهم من الذين يضيق صدرهم، خلافاً لسمات الثوري. وإن من أهم سمات الثوري، هي في أن يمتلك فن كسب أصدقاء جدداً إلى جانب الثورة، لا أن يقلص أعدادهم. وعليه أن يقلِّص عدد أعداء الثورة وليس بتوسيعها دائرتهم.
وإذا كان ضيِّقو الصدر أولئك، يعانون الألم، ويكابدون المشقات والمتاعب من كل حدب وصوب، ونحن ندعو إلى الله أن يحميهم، ولكن عليهم أن لا ينغِّصوا الآخرين الذين يعتبرونهم ممن يمارسون ترفاً فكرياً لأنهم بعيدين عن مواقع الخطر، إذ قد يكون هؤلاء ممن دفعوا في ظروف ساخنة سابقة أثماناً باهضة لعشرات السنين. أو على الأقل من خلال النقد الذي يوجهه ضيقو الصدر إلى أصحاب الترف الفكري، بأن المترفين قد يكونون مهددين بكل المخاطر على الرغم من وجودهم في بروج مشيَّدة. ألم يتساءلوا، ولو لمرة واحدة: أن اجتثاث البعث، ليس اجتثاثاً جسدياً فحسب، بل هو اجتثاث فكري قبل أي شيء آخر. إن الاجتثاث غير محصور في بيئة ساخنة كانت أم في بيئة باردة.
وأما حكاية الترف الفكري، في قاموس من يضيق صدرهم بما يكتبه المترفون، فيعتبرون أن الاجتهاد هو ترف فكري يأتي في غير وقته أولاً، وأنه لا اجتهاد في ثوابت الحزب التي منع الدستور من التغيير فيها ثانياً، وأنه يسهم في إضعاف حصانة الحزب في وقت تشتد فيه مؤامرة اجتثاثه ثالثاً، وإسهاماً منا لحسم الجدل وتضييق الفجوة والحؤول دون اتساعها، ولأن هناك خلاف حول ما هو ثابت فيها وما هو متغير، يجوز لنا أن نحدد ما هو في ثوابت الحزب، وما هو من المتغيرات. وعن ذلك سأختم مقالي بتسليط الضوء على مسألتين، وهما: ثوابت الحزب الفكرية، والكتابة النظرية في ظل الأزمات الحادة ليست ترفاً فكرياً.
أولاً: ثوابت البعث الفكرية:
إن حزباً، كحزب البعث، قد حدَّد ثوابته بثلاث لا تقل ولا تزيد، وهي (الوحدة والحرية والاشتراكية)، وقد تكررت هذه الثوابت في المواد الأساسية والعامة في دستوره، وهي التالية: (البعث العربي الاشتراكي حركة قوميـة شعبية انقلابية، تناضل في سبيل الوحدة العربية والحرية والاشتراكية). وفي نظامه الداخلي على مختلف التعديلات التي طرأت عليه، جاء في المادة الأولى منه: (يعمل الحزب (حزب البعث العربي الاشتراكي) على تحقيق مبادئه وأهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية). كما أكد عليها في شعاره الأساس الذي تتوِّج كل منشوراته، وهي: (وحدة، حرية، إشتراكية). وقد منعت المادة الأخيرة منه تعديلها منعاً مطلقاً. وإذا حصل أي تعديل فيها، فيعني أن من يدعو إلى تعديلها فكأنه يدعو إلى تأسيس حزب لا يمت بصلة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. وأما الثوابت فهي ثلاثة التي لا يجوز الاجنهاد فيها، وأما كل ما غيرها فهو من المتغيرات:
-بالنسبة لشعار الوحدة العربية: إذا أُلغي شعار الوحدة يعني أن الحزب يتحول ساعتئذٍ إما إلى حزب قطري، وهي مرحلة ما قبل القومية. أو أن يتحول إلى حزب أممي، بينما المرحلة الأممية هي مرحلة ما فوق القومية.
-بالنسبة لشعار الحرية: إذا أُلغي شعار الحرية، يعني ذلك أن الحزب يتحول إلى حزب ديكتاتوري، يُنسب إلى أفراد أو عائلات كـ(الأنظمة الملكية)، أو إلى نخب اقتصادية أو دينية أو طبقية إقطاعية كـ(الأنظمة الأوليغارشية).
-وأما بالنسبة لشعار الاشتراكية: إذا أُلغي شعار الاشتراكية، فيعني أن الحزب سيتحول إلى نظام ملكي، تستأثر العائلات المالكة وحواشيها، بثروات البلاد. أو يتحول إلى نظام رأسمالي، تستأثر فيه النخب الاقتصادية بثروات البلاد أيضاً. أو إلى نظام إقطاعي تتقاسم فيه الطبقات الإقطاعية ثروات البلاد أيضاً.
لذا فإن أي خلل يصيب شعاراً منها سيسهم في تقويض ثلاثية شعارات الحزب، وبها لا يبقى حزب البعث حزباً للبعث. وعندما منع الدستور من تغيير في المبادئ الأساسية والعامة، وذلك كي لا ينهار الحزب إذا انهارت قائمة من قوائم مبادئه الثلاث، أو حتى إذا انهارت واحدة منها.
ولكن ثبات هذه المبادئ، لا يعني أن وسائل تحقيقها ثابتة أيضاً. وإذا مُنع الاجتهاد في تغييرها، أو مجرد تغييرها، بالجملة أو بالمفرق، فهذا لا يعني أن باب الاجتهاد يُوصد في وجه إعادة النظر في وسائل تطبيقها.
إن ما يميِّز حزباً ما عن الأحزاب الأخرى هي مبادؤه الثابتة، والتي باعتبارها ثابتة فإنها لا تخضع للتجديد في أي ظرف من الظروف. فهي بهذا المعنى تكتسب صفة الرسالة الخالدة.
وبناء عليه، فإن كل ما عداها يُعتبر في دائرة المتغيرات التي لايجوز لأحد في الحزب تثبيتها وتأبيدها وتخليدها. وإذا أراد البعض أن يُقدِّسها فهذا شأنه، ويبقى اجتهاده الخاص به حتى تتخذ المؤسسات المختصة قراراً بشأنها. واستطراداً فإن الاجتهاد في الثوابت، كما أشرنا إليه أعلاه، فهو يصب في دائرة اجتثاث للعقيدة الحزبية.

-ثانياً: الكتابة في الحقل الفكري النظري في ظل الأزمات الحادة ليست ترفاً فكرياً  بل هي ضرورة وحاجة للثورة:
إن تسليط الضوء على ثوابت الحزب الفكرية، أمر مهم في ظل الأزمات الحادة التي تمر بها الأمة العربية. ولأنه لا جدال حولها، يقع على عاتق أي بعثي أينما كان أن يقوم بترويج النظريات الخاصة بكل ثابت منها، بكل وسائل النشر والترويج المتاحة. بل إن ما يتطلبه الأمر من عناء، هو مراجعة لكل التُراث الحزبي المنشور والمنتشر في مكتبات البعثيين. ومن أجل مساعدة المهتمين الذين لا يمكنهم العودة إلى آلاف النصوص، على الباحثين إيصال هذا الفكر بدراسات متخصصة ومُيسَّرة.
ولكن لا يخفى الأمر أن هناك قضايا لا علاقة لها بالثوابت الفكرية المذكورة أعلاه، بل هي من وسائل مساعدة الفكر النظري وبعض تفصيلاته على الانتشار، تتكاثر حولها وعنها الاجتهادات بين الحزبيين، وفي أوساط الكثير من المثقفين من غير البعثيين. تلك الاجتهادات المتباينة نجدها تتعمَّق بين البعثيين أنفسهم في القطر الواحد، وفي الأقطار العربية الأخرى. ولأن الواقع هو على ما قمنا بتصويره، نعتبر أن الاجتهادات المتعددة دليل صحة، ويتحول إلى دليل مرض عندما تُنصب الخنادق بحيث يعتبر كل صاحب رأي أن رأيه هو السليم، ويعتبر أن آراء الآخرين هو اجتثاث لعقيدة الحزب. ومن غير الجائز أن يقع البعض بالشطط عندما يعتبر اجتهادات الآخرين، التي تتعارض مع رأيه، صادرة إما عن نوايا سيئة، أو صادرة عن غباء.
ولكل هذا نعتبر أن الكتابة النظرية في الأجواء الساخنة ليست ترفاً فكرياً، بل هي حاجة وضرورة لتوحيد الاجتهادات ما أمكن حول القضايا المتغيرة.
وأخيراً، وعن هذا المشهد، نسترشد دائماً بمبدأ (نعم لثقافة الحوار، ولا لثقافة القرار). كما لمن يريد أن يصطاد في الماء العكر، مستنداً إلى مقالنا، نوجِّه نصيحتنا بأن صناراتهم لن تصيب سمكة واحدة. وسيبقى البعث رائداً لحرية الاعتقاد والقول. علماً أنه من المبادئ التي لا يجيز الدستور لأحد أن يعدِّله، جاء في المادة الأولى من المبدأ الأساسي الثاني، ما يلي: (حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها).


إرسال تعليق