الأربعاء، مارس 01، 2017

في العراق ابتدأ المشروع الإمبراطوري الأميركي (الحلقة الأولى)

في العراق ابتدأ المشروع الإمبراطوري الأميركي وفي العراق كُتبت نهايته
دراسة على حلقات ثلاث
منقولة عن الفصل الثاني من كتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية) الصادر في العام 2009
احتلال العراق
الفصل الأخير لاكتمال المشروع الإمبراطوري الأميركي
الحلقة الأولى
أولاً: مراحل خطة تنفيذ المشروع الإمبراطوري

بعد تجربة سنوات من احتلال العراق وتغيير نظامه السياسي، ومحاولة اجتثاث منهجه الفكري القومي، أصبح من الواضح أن أهداف الاحتلال الاستراتيجية تشهد نهايتها على أيدي المقاومة الوطنية العراقية.
ولم يكن اختيار المشروع الأميركي للعراق ردة فعل ولدت في زمانها ومكانها، وإنما لأكثر من هدف كان احتلاله خياراً استراتيجياً أميركياً. وهذا يظهر بوضوح من خلال بعض النماذج، ومن أهمها ما يعود إلى الخمسينيات، والسبعينيات من القرن العشرين:
1-كانت المراكز الثورية العربية هدفاً أميركياً للاجتثاث:
لما استقرَّ الإمساك الأميركي بتركة البريطانيين والفرنسيين، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وضعت الإدارة الأميركية، في عهد رئاسة أيزنهاور، استراتيجية حصار المراكز الثورية العربية وإسقاطها. كان المشروع قائماً على ذريعة  ملء «فراغ القوة» الذي حصل بعد انهيار قطبي الحركة الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا. حينذاك كانت الحركة القومية، في بدايات إطلالتها الأولى، وبها ولد الشرق الأوسط الذي تتحرك فيه حركة قومية عربية حاشدة. كانت استراتيجية أيزنهاور تعود إلى مقولة مضمونها أن السيطرة على الشرق الأوسط هي فعلاً معركة القرن. وتطبيقاً لهذه الاستراتيجية، أصبح المخطط الأميركي، منذ العام 1957، قائماً على قاعدة حصار مصر، والاستيلاء على الحكم في سوريا، التي كان مصدر  قوتها، كما يراها المشروع الأميركي، هو جيشها الذي  كانت أغلبية ضباطه متحمسة للتوجه القومي العربي، والجماعات المؤثرة فيه كانت على صلة بحزب البعث العربي الاشتراكي.
2-بعد إسقاط الحركة القومية في مصر، ابتدأ الإعداد لإسقاط حركة البعث في العراق:
لقد برز هذا الهدف واضحاً في كتابات بول وولفوويتز، التي ابتدأت في العام 1979، ولم تنته في العام 2003، التي كان يردد فيها مقولة واحدة: إسقاط نظام صدام حسين.
ولم يكن وضع العراق الاستراتيجي، جغرافياً واقتصادياً، هو سبب احتلاله فحسب، وإنما لأن نظامه الفكري والسياسي يقع في قلب أهداف استراتيجية «حرب الأفكار» أيضاً. تلك الحرب التي يشعلها المشروع الأميركي تحت ثنائية «معركة الخير ضد الشر». وإن وقوعه في مدار تلك الحرب فلأنه يقود النظام السياسي،  الذي بناه في العراق، على أساس دليل فكري قومي إنساني يصوِّب اتجاهات أهدافه الوطنية العراقية السياسية والاقتصادية والسيادية ويحميها من الوقوع في أفخاخ القطرية، والطائفية، على أن تكون مقدماته محاربة الاستعمار والصهيونية. وأينما فتشت في هذا الدليل تجد فيه كل منابع «الشرور» التي تثير مخاوف اليمين الرأسمالي، المتطرف أم غيره، هذا ناهيك عن عدائه المطلق للوجود الصهيوني في فلسطين، ومن أهمها:
-المسألة القومية وتعبيراتها السياسية في الوحدة والحرية والاشتراكية. ففي الوحدة ما يتناقض مع هدف الاستعمار في تفكيك الكيانات القومية كشرط ضروري لاحتواء مجتمعات مفككة تعجز عن مواجهة القوة الاستعمارية والصهيونية. وفي مبدأ الحرية، بما فيها حماية سيادة الشعوب والدفاع عن أرضها الوطنية وعن حرية قرارها السياسي والاقتصادي، ما يتناقض مع مبادئ ديموقراطية «اقتصاد السوق»، التي تريد أن تكون كل الأبواب مفتوحة أمامها من دون أية عوائق. وفي المبدأ الاشتراكي ما يتناقض كلياً مع مبادئ الرأسمالية.
-اعتبار الوحدة العربية لا يمكن تحقيقها من دون اقتلاع الكيان الصهيوني.
-وجوده كنظام ثوري في وسط أنظمة رسمية عربي تحكم أميركا السيطرة عليه، يشكل تهديداً لأصدقائها وعملائها.
لم يكن متاحاً لأميركا، قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، أن تقوم بحرب مباشرة ضد العراق. لأنه كان مشمولاً بخارطة محسوبة على القطب السوفياتي، وكانت قواعد «الحرب الباردة» تمنع قيام قطب منهما باحتلال مباشر لدولة أخرى. هذا السبب نجد له تفسيرات في امتناع أميركا، بوش الأب، عن استكمال العدوان الثلاثيني باحتلال العراق. هذا ناهيك عن الخوف من وقوع الجيش الأميركي في أفخاخ مقاومة شعبية عراقية.
لقد استعاضت إدارة جورج بوش الأب، عن الاحتلال المباشر بإسقاط النظام السياسي لحزب البعث بالواسطة، عبر وسيلتين:
-الأولى: تشجيع حالات التمرد في جنوب العراق وشماله، بواسطة قوى عميلة لأميركا و«إسرائيل» وإيران.
-الثانية: محاولة احتواء العراق عبر تشديد حصاره اقتصادياً وسياسياً.
ولما سنحت فرصة وصول اليمين الأميركي المتطرف إلى استلام السلطة في أميركا، في العام 2000، كانت روسيا، أكبر دول منظومة الاتحاد السوفياتي، منزوعة الأنياب، ولذلك لم ينتظر اليمينيون الجدد احتمال إعادة ترميم الوضع الروسي، بل كانوا في عجلة من أمرهم باستغلال لحظة الضعف العالمي لتنفيذ العدوان ضد العراق واحتلاله.
فاحتلال العراق، باختصار كان آخر حلقة من حلقات استيلاء أميركا على العالم. وباحتلاله حلم اليمينيون الجدد بأنهم سيكتبون آخر سطر في حكاية السيطرة على العالم، ليتفرغوا لكتابة مقدمة قصة بداية «القرن الأميركي الجديد».
لكن ما حصل على أرض «البيدر العراقي» كان بعيداً عن حسابات «الحقل الأميركي»، الأمر الذي يسمح لنا بالتمييز بين نهاية التاريخ، بمفهوم فوكوياما، وبين نهاية حلم أميركي تبدَّد على أرض العراق، وتحول إلى عاصفة رملية تاهت فيها جمال الإمبراطور الأميركي، وهو يفتش عن طريق للخروج الآمن بعد تأكُّده من أنه عرف كيف يدخل العراق لكنه كان يجهل كيف يخرج من متاهاته.
وبمثل تلك النتائج، يحق لنا بموضوعية أن ندرس آفاق المستقبل على ضوئها، بتقسيم أحداث التاريخ الحاضر على ضوء العنوانين التاليين:
-أهداف المشروع الأميركي قبل احتلال العراق.
-ووضعه على ضوء نتائج نضال المقاومة الوطنية العراقية.
ومنهما ننظر إلى التاريخ القادم، لنتساءل: وماذا بعد تهافت نهاية التاريخ الإمبراطوري الأميركي، كآخر إيديولوجيات إنهاء التاريخ؟
هل الحل يكمن باستنهاض أصوليات إمبراطورية كُتبت لها نهايات تاريخية سابقة؟
أم الحل فيما أثبتته المقاومة العراقية من أن العامل القومي، المبني على الدفاع عن السيادة الوطنية، هو الحصان القادم الذي يحمل مشروعاً يحمل الحل للبشرية في وضع حد لعبثية الحروب التي كانت تفجرها الأطماع الإمبراطورية في التاريخ؟
بالإضافة إلى كل ذلك، وهو الأمر الأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا كقوميين عرب، نحسب أن الكشف عن كل ما تقدَّم بموضوعية وعلمية هو حاجة ملحة وضرورية لأن مصير أمتنا، حاضراً ومستقبلاً، يقع في قلب هذا المشروع الخطير. ويتحدد مصير أمتنا العربية على ضوء ما سترسو عليه سفن المشروع الرأسمالي الأميركي بشكل عام، وما سترسو عليه سفن مشروع اليمينيين الأميركيين الجدد بشكل خاص.
وقبل الدخول في ميدان التشخيص والتحليل والاستشراف، نجد شيئاً مهماً يدعونا، إلى الاطمئنان المستقبلي، والفخر المعاصر، هو أن أمتنا العربية حبلى بكل وسائل مواجهة المشروع الخبيث ومقاومته. أوَ لم يعترف كل قادة هذا المشروع، سياسيين وعسكريين ومخابراتيين وإعلاميين ومثقفين ومفكرين، أن المقاومة الوطنية العراقية، التي ألصقوا بها أوصافاً واتهامات تشحذ ضدها عدائية الغربيين، كانت العامل الأساسي والأول الذي أحبط هذا المشروع، وأوقف دباباته عن الحركة، ووضع المشروع بأكمله على حافة الهزيمة؟
وهل اللحظة التي نكتب فيها بحثنا هذا إلاَّ لحظة يستمهل فيها قادة المشروع اتخاذ قرار بالانسحاب من العراق، من أجل التفتيش عن وسيلة انسحاب رحيم؟ ومن أجل تخفيف خسائره في العالم والمنطقة كتداعيات لا بدَّ من أن تحصل نتيجة فشله العسكري في العراق؟ أوَ ليست لحظة الموت الرحيم للمشروع، هي هذه اللحظة؟
أولاً: مراحل خطة تنفيذ المشروع الإمبراطوري
كان التراكم في تكوين إيديولوجيا المحافظين الجدد، وفي دراسة الخطط السياسية والعسكرية، مترافقاً مع نجاحات هائلة حققتها الولايات المتحدة الأميركية على شتى الصعد الاقتصادية والعلمية والصناعية والعسكرية بالمقدار التي لا تضاهيه قوة في العالم. وهذا ما كان يزيد في منسوب الشعور  النرجسي الأميركي.
وإذا أضفنا إلى كل ذلك خروج أكثر المنافسين، وهو الاتحاد السوفياتي، من ساحة الصراع، حينما ترك فراغاً دولياً في قيادة العالم، أسهمت كل هذه العوامل في دفع الإدارات إلى تصدير نفسها إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية على شكل مشاريعها ومصالحها وقيمها. وبهذا انقسم تنفيذ التصدير المباشر إلى مرحلتين:
-الأولى: تبدأ من الهيمنة الداخلية وتمر في القارة الأميركية كلها
استندت إيديولوجيا الطبقة الرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية إلى ما سمّي نظرية »القدر الجليّ«: السيطرة على القارة بأكملها، تحت شعار »الدفاع عن الديموقراطية«، ووضعت سياستها هذه موضع التنفيذ بواسطة العصا الغليظة. وكان أفضل تعبير عن تلك المرحلة، هو ما أعلنه الرئيس الأمريكي (تافت) في العام 1912م، بقوله: »سنمتلك القارة بأكملها كما نحن نمتلكها الآن معنوياً بفضل تفوقنا العرقي«.

-الثانية: تنتهي بالهيمنة على اقتصاد العالم، أو »أمركته«.
وبعد أن صنعت النخبة الاقتصادية الأميركية إيديولوجيتها القائمة على قاعدة »البقاء للأقوى« داخل مجتمعها، راحت تصدرها إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية على قاعدة »أمركة العالم«. وقد ساعدها على ذلك بعض الظروف الناتجة عن الحرب العالمية الثانية. حينذاك تقدمت الولايات المتحدة  إلى وسط المسرح العالمي بكل هذه الأفكار المسبقة معززة بأسلحة نووية واقتصاد،  وبحلول الخمسينيات من القرن الماضي أعلن رئيس العالم بأن القرن العشرين هو القرن الأمريكي«.


ليست هناك تعليقات: