الخميس، فبراير 25، 2010

احتلال النجف أنموذج مصغَّر لاحتلال العراق

-->
احتلال النجف أنموذج مصغَّر لاحتلال العراق:
أهداف ووسائل واحتمالات
 
سقطت النجف منذ أن تآمر نظام الملالي في إيران مع أصحاب المشروع الأميركي في العدوان على العراق واحتلاله. ومنذ أن بارك حزب الدعوة الإسلامي، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وقوات »فيلق بدر«، ومحمد بحر العلوم، والحزب الإسلامي، وكل من لفَّ لفهم من الشيعة ممن دخلوا مجلس الحكم الانتقالي المدفون، والحكومة العراقية المؤقتة »الواقي الذكري للاحتلال«...
توهَّم الجميع أنهم، بالتنسيق والتآمر مع قوات الغزو الأميركي، سينالون جائزة الاستيلاء على العراق. لكن خاب ظنُّهم وأخذوا يستفيقون شيئاً فشيئاً- على سراب الوعود. فخاب ظن الواعد والموعود إذ كان كل طرف منهم (وهم طرف واحد بالتآمر على العراق) سينقلب على حليفه عندما يستقر المقام للاحتلال.
إذا كان الطرفان قد تآمرا، فنحن نرى أن تآمرهما كان يصب أولاً وأخيراً- في مصلحة المشروع الأميركي، الذي سوف لن يترك للآخرين إلاَّ الفتات وبقايا الوليمة. وإذا كنا نناشد فإننا لن نناشد إلاَّ المخدوعين ممن نحسب نظرياً- أنه كان من واجب الوطنية أو الجوار عليهم أن يقفوا ضد احتلال العراق أو يقفوا مدافعين ضد الاغتصاب وبالتالي إذا لم ينصر أخاه فعلى الأقل أن يبارك عمله إذا قام بمقاومة الاحتلال.
فإذا ذُبحت الكرامة الوطنية لصالح أصحاب المصالح الضيقة، وهم ممن بنوا استراتيجيتهم على مقاييس تلك المصالح، واكتشفوا أنهم قد أخطأوا في وضع تلك الاستراتيجية وظهرت نتائج تكتيكاتهم الخاوية، لكان من واجبهم وهم يكيلون مصالحهم على القاعدة المذهبية- أن ينتقلوا من استراتيجية إلى أخرى أكثر أماناً لمصلحة الوطن، أي الانتقال من أسر المصلحة المذهبية إلى رحاب الاستراتيجية الوطنية والأخلاقية. وأصبح هذا الانتقال أكثر من ضروري بعد معارك النجف الأولى في نيسان، والثانية التي تدور رحاها اليوم.
نرى في أفق المذهبيين أسى وحسرة وبقايا ندم لكننا لا نرى تغييراً استراتيجياً. وإذا كان الندم والحسرة والأسى بداية للانتقال إلى الضفة الاستراتيجية الأخرى فالمطلوب أن يتم الانتقال بسرعة في الوقت المناسب من أجل ليس منع الاحتلال من تدنيس العتبات المقدسة فحسب، وإنما من أجل منع الاستمرار في تدنيس عتبات الوطن وهي كلها مقدسة، فيرتاح جميع العراقيين، ويحسموا المعركة مرة واحدة، لأن حسمها كما يتوهم الواهمون- بالتقسيط سيكون تكتيكاً خاسراً بلا شك. والسبب أن الاحتلال عجز عن كسب العراق بالجملة فهو يعمل على كسبه بالتقسيط ما أن ينهي استيلاءه على قطعة حتى ينتقل إلى الاستيلاء على الأخرى.
لقد صدر بيان عن الحرس الثوري في إيران يدعو فيه العراقيين إلى الاتحاد ضد الأميركيين. ولأن هذه اللهجة المفاجئة قد ارتبطت بالدعوة إلى الدفاع عن حالة جزئية في العراق فإننا لا نرى إلاَّ أنها دعوة لا تزال ترتبط بتكتيك قصير النفس. فهي دعوة تكتيكية تنتهي بالانتهاء من وضع حل لتلك الحالة.
أما المطلوب فهو موقف لا يقل عن المستوى الاستراتيجي، إذ ذاك على الحرس الثوري الإيراني أن يرفق دعوته بالاستمرار في وحدة مقاومة العراقيين حتى خروج آخر جندي للاحتلال. ويستكمل نداءه بدعوة كل الذين يدعمهم النظام الإيراني ممن تعاونوا -ولا يزالوا- مع الاحتلال ويشكلون له أكياس الرمل التي تمنع سقوط قتلى في صفوف قواته إلى الانتقال إلى صف المقاومين. أي رفض الصف للذين يؤمنون له كل حماية أمنية أو سياسية أو عسكرية ,وكل من يتواطأ معه على نهب خيرات العراق وثرواته.
فهل تجدي مثل هذه الدعوة في هذا الوقت بالذات؟
حول ذلك نقول: علينا أن لا نيأس من ظهور صحوة من الضمير. وعفا الله عما مضى.
قيل في القديم »بارك الله بأبيك الذي كان يجبرها بعد أن تنكسر«، ونقول »بارك الله بأبيك لأنه كان يمنعها قبل أن تنكسر«. فإلى البكَّائين على النجف نقول: لقد سقطت النجف لأنهم لم يدافعوا عن وطنهم. وهم لن يستطيعوا أن يجبِّروا قضية النجف لأنهم أسهموا في تمزيق العراق. أما الحل؟ فهو في أن تلتف كل السواعد حول مقاومة الاحتلال وعملائه في كل مكان في العراق. وفي أن يقتنع الجميع أن المحافظة على المقدسات لن يكون بأقل من طرد الاحتلال من كل بقعة من بقاع الأرض الوطنية العراقية.
في العشرين من آذار/ مارس من العام 2003م، أصدر حزب الدعوة الإسلامي في العراق بياناً يدعو فيه العراقيين إلى المشاركة في معركة تحرير العراق من الديكتاتورية!!!. لذا انخرط الحزب المذكور في المعركة التي دعا إليها وركب متن الدبابة الأميركية والبريطانية واستقبل المحتلين بالورود. ولم يتأخر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، كما ابتهجت قوات »فيلق بدر«، في القيام بواجب المشاركة في ملاحقة المقاومين أينما كانوا!!!. وتعبيراً عن فرحتهم شارك ابراهيم الجعفري وعبد العزيز الحكيم ومحمد بحر العلوم في كل المؤسسات السياسية والأمنية التي أسسها الاحتلال، وكان كل منهم يمني النفس بالسيطرة على النجف من أجل ما يدَّعون أنه استعادة لحقوق الشيعة التي حرمهم منها نظام حزب البعث. ولكن أية حقوق استعادوا؟
لقد حذَّر كل المخلصين للأمة، والشيعة هم جزء من هذه الأمة، من أن الاحتلال لن يترك لأحد سلطة القرار، بل على الجميع أن يخضعوا لأوامر بول بريمر ممثل قوات الاحتلال- وأن يخضعوا لمشيئة حقوق الاحتلال التي هي فوق كل الحقوق. وتوهَّم الجميع أن تحرير العراق هو تحرير بالفعل، فإذا بسذاجتهم تنحدر بهم إلى تصديق خداع جورج بوش وأكاذيبه. وهؤلاء هم استفاقوا على وقع تدمير العتبات المقدسة على يد القوات الأميركية، التي تستخدم ميليشياتهم دروعاً بشرية أمنية وسياسية وعسكرية من أجل تركيع من تمرَّد على إرادة »الباب العالي« الأميركي الذي يمثِّله اليوم »السفير نيغروبونتي«. ونيغروبونتي هذا القابع من دون تطبيل وتزمير طالما استخدمهما سلفه بول بريمر- في المنطقة الخضراء يخطط ويأمر ويدفع بالدمى العراقيين ممن أسماهم الحكومة العراقية المؤقتة للقيام بمعركة تدمير نفسي منظَّم لنفوس النجفيين.
إن المقصود من معركة النجف، التي تشارك فيها كل ميليشيات الحركات الدينية السياسية ضد أبناء شعبهم ومذهبهم، هو أنموذج لصورة تمزيق النسيج الوطني العراقي أولاً، ولإرهاب كل تنظيمات المقاومة العراقية على طول الساحة العراقية وعرضها ثانياً.
وقف في المواجهة مقتدى الصدر كتيار راح كما يصفه الكثيرون- يغرِّد خارج سرب الاحتلال. وسربه -كما يريده الاحتلال- من المتعاونين مع قواته العسكرية والأمنية تحت أسماء توحي بالشرعية كالشرطة العراقية والدفاع المدني من جهة، والضغط على المرجعيات الدينية الشيعية لمنعها من إصدار فتوى بالجهاد ضد قوات الاحتلال من جهة أخرى. فعمل على إبعاد الواقفين في الوسط من تلك المرجعيات لأن حتى وقوفهم في الوسط يؤذيه.
وفي محاولة معرفة نتائج الصراع الدائر بين الاحتلال وعملائه، وتيار مقتدى الصدر ومؤيديه من كل الأطياف المقاومة، نرى ما يلي:
أولاً: إن اقتحام النجف هو أنموذج مصغَّر لاحتلال العراق في بواكيره الأولى. إذ حصل فرز واضح بين من هو مع الاحتلال ومن هو ضده. فساحة النجف تشهد مثل ذلك الفرز الآن. ومتى حصل الفرز ستتحدد صورة المستقبل وهو أن الفريق الذي اختار المقاومة فقد اختارها بسبب الكثير من العوامل التي وجد أنها تشكِّل حوافز أساسية في اختياره. ومن أهمها: الشعور بالانتقاص من الكرامة الوطنية في ظل الاحتلال، وهو ما لم تأخذه قيادات الميليشيات الطائفية السياسية، ولا حتى عدد من المرجعيات بعين الحساب. ومنها أيضاً أن الاحتلال كان كاذباً ومخادعاً في شعاره الذي رفعه مدَّعياً بأنه جاء من أجل تحرير العراق والعراقيين. ومنها أنه جاء لكي يحوِّل حياة العراقيين إلى جنة مليئة بكل أنواع الخدمات، وما على العراقيين إلاَّ أن يهنأوا بالسعادة الدنيوية الأبدية.
ثانياً: على قاعدة الفرز النهائي بين تياريْ المؤيدين للاحتلال ومقاوميه، سوف لن يدع المقاومون ساحة النجف ساحة هادئة وهانئة بالأمن، وهي ستشكل على غرار احتلال العراق عسكرياً وأمنياً- ساحة مصغَّرة للعراق الكبير في إحداث تشكيلات مقاومة منظَّمة ضد قوات الاحتلال وأدواته.
ثالثاً: أما حول التساؤل لماذا تأخَّرت تلك الظاهرة في الصعود؟ فنرى أنها كانت بسبب من أوهام تدور في خلد المتعاونين مع الاحتلال، أو من الواقفين في الوسط من أصحاب المرجعيات، لإعطاء فرصة للاحتلال وعملائه لتنفيذ وعودهم. والمؤسف أن أصحاب الفتوى أضفوا على مواقفهم الشرعية والحكمة.
رابعاً: لقد ضاق صدر أوسع الجماهير من انتظار الوعود، ولما تبيَّن أنها كاذبة لم يعد الصبر مفتاحاً للفرج، فراحت تلك الجماهير تؤيد كل عمل رافض للاحتلال ومقاوم ضده، وهذا ما تفسِّره اتساع رقعة تيار مقتدى الصدر، لا لسبب إلاَّ أنه أطلق شرارة المقاومة ضد الاحتلال وكل صنائعه.
إن التيار الواسع الصامت في المناطق، التي تسيطر عليها ميليشيات التيارات الدينية السياسية، قد اختار طريقه في مقاومة المحتل سواء سيطرت قوات الاحتلال وعملائه عسكرياً على النجف أو لم تسيطر. فهذا التيار قد تأكَّد من كذب وخداع الاحتلال وعملائه. وقيل قديماً: تستطيع أن تكذب مرتين ولكن لن تستطيع أن تكذب حتى النهاية.
بوركت مقتدى الصدر فأنت الوحيد من بين كل القوى التي تحسب أنها تمثل النجف وكربلاء- الذي يعبِّر عن توق الجماهير الواسعة إلى الدفاع عن كرامة العراق الوطنية، كل العراق. وأنت الوحيد الذي أمسك بخيط الحقيقة الأول من أجل أن تنخرط في منظومة قوى المقاومة العراقية. فاستمر في قيادتك لهذا التيار إذ لا حلَّ لحماية العتبات المقدسة إلاَّ من ضمن خطة تعمل من أجل حماية العراق كله، وتحرير كل شبر فيه من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب.

ليست هناك تعليقات: