الأحد، فبراير 28، 2010

التهديدات الأميركية ضد العراق

--> -->
التهديدات الأميركية ضد العراق:
الأسباب والأهداف
مقال لمجلة الوفاق العربي تونس 6/ 9/ 2004
 

ما هي التأثيرات السلبية للتهديدات الأميركية ضد العراق على الواقع العربي والدولي؟

لماذا التهديدات وإلى أين؟

يدور السجال الراهن حول التهديدات الأميركية الموجَّهة ضد العراق على قاعدة هل تنفِّذ أميركا تهديداتها أم لا تنفذها؟ هل تملك مبررات أم لا؟ هل تحصل على موافقة دولية، أم هي عاجزة عن الحصول عليها؟ هل تحصل على موافقة عربية أم أن العرب يرفضون ضرب فرد من أفراد الأسرة العربية؟ وهل تأخذ على محمل الجد تأثيرات الغضب الشعبي العربي ضد مخططاتها أم أنها تراها هامشية؟ وأولاً، وأخيراً ما هي الأسباب التي دفعت أميركا، ولا تزال تدفعها، إلى وضع العراق في دائرة الضوء الأولى من اهتماماتها؟
تقتضي معالجة تلك الأسئلة حيزاً واسعاً، لأن اختزال المسألة بالتساؤل هل تنفذ أميركا تهديداتها أم لا تنفذها هو تجاوز الأسباب الحقيقية والقفز من فوقها.
إن التهديد بضرب العراق أو غيره من دول العالم، وعلى الأخص دول المشرق العربي، ابتدأ منذ اللحظة التي رسمت فيها الأمبريالية الحديثة خرائط سايكس بيكو، وأعطت للصهيونية وعداً بإنشاء وطن قومي لهم على أرض فلسطين العربية.
ولما ورثت أميركا تركة الأمبريالية الأوروبية الحديثة، وتحوَّلت منذ لحظة التسلم والتسليم إلى أمبريالية أميركية معاصرة، استمر المخطط الأصلي المرسوم. وعنوانه المحافظة على خرائط التقسيم من جهة، والمحافظة على الحاجز الصهيوني المزروع في قلب المنطقة العربية.
كان من بوادر التمرد على إرادة التقسيم الإمبريالية هو ظهور إرادة الوحدة العربية التي قادتها حركات قومية متعددة، وكان من أهمها فكر حزب البعث العربي الاشتراكي. وكان في القلب من إرادة التوحيد العربي استعادة الحق العربي على أرض فلسطين الذي لن يتم من دون اقتلاع الحاجز الصهيوني من جذوره.
لم يكن المشروع الوحدوي العربي، منذ بداية الخمسينات، يمتلك أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك كان يتعرَّض إلى نقمة أمبريالية، تمظهرت بالتآمر على الوحدة السورية المصرية، وإجهاض تأثيرات حزب البعث في سوريا، وإحراز انتصار على العرب في حرب حزيران / يونيو من العام 1967م، والتخطيط إجهاض تأثير حركة المقاومة الفلسطينية بأكثر من أداة وتحت كل الذرائع.
ولما خُيِّل للأمبريالية الأميركية أنها قد بدأت تجني ثمار تآمرها، من خلال جرَّ أنور السادات إلى قاعات تسوية الصراع العربي الصهيوني وكواليسها، كانت عوائق كثيرة لا تزال تبدي مظاهر المقاومة ضد مخططاتها وتعمل على إعاقتها، وكان على رأس مواقع تلك العوائق يقف العراق رافضاً وداعماً للرافضين، مستنداً إلى عمق فكري سياسي وحدوي عربي، فأصبح العراق منذ تلك اللحظة على رأس أولويات الاستهدافات الأمبريالية الصهيونية.
أصبح العراق، بما يمتلك من عمق فكري ونضالي وحدوي عربي، مُهدَّداً بالقوة، وتحوَّل إلى العدو الذي يحمل الرقم واحد.
لم يكن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، نووية ولا بيولوجية ولا كيماوية، بل كان يمتلك مشروعاً نهضوياً وحدوياً قومياً عربياً، وكان كل عنصر من عناصر المشروع يشكل تهديداً للمخططات الإمبريالية والصهيونية، فكان عرضة للتهديد الدائم، لأن عناصر المشروع كانت تُعدُّ بالحسابات الأمبريالية- أسلحة فتَّاكة شاملة.
الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، دمَّرت المؤامرة الإمبريالية كل مظاهر الأسلحة النوعية التي صنَّعها العراق. والأميركيون متأكدون من ذلك، فلماذا الإصرار على أن العراق ما زال يمتلك تلك الأسلحة؟
إن الأسلحة، بالمنظار الأميركي، وهم على حق، هو ذلك المشروع الوحدوي العربي على صعيد الفكر، ويصبح أكثر خطورة إذا تحوَّل إلى إرادة سياسية تعمل على تطبيقه، وتزداد الخطورة عندما يمتلك المشروع الفكري السياسي أدوات النهضة الحضارية، من تأسيس للبُنى البشرية التي تملك العقل المخطط على شتى الصُعُد ومن أهمها التخطيط والبناء والإنتاج للأسلحة الاستراتيجية، التي بها يدافع العرب عن أنفسهم في عالم مزروع بشتى أنواع الأسلحة، التي يمتلك الأميركيون والصهاينة كل نوع من أنواعها وبكميات أكثر مما يمتلكه العالم أجمع.
إن التهديدات بالعدوان على العراق ليس إلاَّ ذرّاً للرماد في العيون، لأن العدوان حاصل، والعراق لا يتعرَّض للتهديدات بل هو يتعرَّض للعدوان بالفعل. نحن نتلهَّى بالتخمين حول مدى إمكانية أن ينفِّذ الأميركيون تهديداتهم، أي هل يعتدون أم لا؟ بينما الواقع أن العدوان حاصل ومستمر: أوَ ليس الحصار عدواناً؟ أوَ ليس برنامج النفط مقابل الغذاء عدواناً؟ أوَ ليست الوصاية على ثروات العراق وأمواله عدواناً؟ أوَ ليست المطالبة بتغيير النظام عدواناً؟
دُمِّرت أسلحة العراق المادية، وهذا لا يكفي، فالأدمغة التي خططت وأنتجت السلاح هي المطلوبة.
دّمِّرت أسلحة العراق، وهذا لا يكفي، فرأس المشروع الوحدوي الحضاري العربي هو المطلوب.
استسلمت إرادات الأنظمة العربية أمام إرادة السيد الأميركي، وهذا لا يكفي، فرأس النظام العربي الوحدوي كاملاً هو المطلوب، ولن يكتمل مخطط الاستسلام إلاَّ باستسلام آخر مظاهر الرفض العربي، وهو ما يمثله العراق في هذه المرحلة.
ليس على العرب أن يغرقوا في التخمينات والمراهنات، ولا يهنأ الذين لا يتعرضون للتهديد بأنهم بمعزل عن العدوان لأن العدوان عليهم انقضى عهده وتوصَّل إلى نتائجه النهائية عندما باعوا مقدرات شعوبهم الوحدوية وقبضوا ثمنها عدداً من الليرات الفضية، من جيوب بعض أشقائهم العرب. وعليهم أن لا يهنأوا طويلاً لأنه إذا قُضيَ على الإرادة العراقية كآخر حصن من حصون الرفض العربي- سوف ينتقل السيد الإمبريالي بالقضاء على الحلم الوحدوي العربي بالتوغل إلى مزيد من التفتيت من داخل الكيانات القطرية العربية، فيصبح المشروع الوحدوي العربي حلماً وحاجة خلفية، لأننا سوف نتلهّى بإعادة الوحدة إلى الكيانات القطرية.
استناداً إلى كل ذلك، ندعو إلى اعتبار الدفاع عن العراق وحمايته واجباً عربياً ملحاً، وعلينا ا، ننتقل من مرحلة رفع شعارات التضامن مع العراق إلى واقع المشاركة في معركته التي يخوضها ليس في وجه الإمبريالية والصهيونية، بل من أجل أن لا يموت المشروع الوحدوي العربي، ومن أجل لا يحيا مشروع التفتيتي في الأجسام القطرية، وحينذاك لا ينفع تقريع ولا ندم.
ضُرِب العراق من أجل امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وضُرِب من اجل سعيه الحثيث لامتلاك ناصية التكنولوجيا. وكان من المفروض بالمنطق الإمبريالي- أن يُضرَب لأنه امتلك أساساً- الفكر القومي العربي، رافعاً شعارات حزب البعث العربي الاشتراكي في الوحدة والحرية والاشتراكية.
ماذا تعني ملكية العراق لمثل تلك الأسلحة؟
العمل من أجل الوحدة القومية هي الجريمة الكبرى، لأن الدعوة إلى الوحدة دعوة إلى سلوك الطريق الحضاري: الفكري والعلمي.
تراكمت الجرائم التي يرتكبها العراق بحق الإمبريالية، ومن أهم تلك الجرائم: اعتناقه للفكر القومي الوحدوي مخالفاً بذلك وصايا سايكس وبيكو. وعمله من أجل فلسطين متمرداً بذلك على وعد بلفور.
وصايا الإمبريالية وقراراتها بتمزيق الأمة هو المدخل الأساسي لإبقاء التخلف سيداً للموقف، وهي المقياس الذي تكيل الإمبريالية مواقفها من الحركات والقوى والأحزاب والأنظمة على أساسه. فكيف يكون الأمر إذا تلازمت مخالفة تلك الوصايا والقرارات مع النضال العملي ضدها؟
منذ الخمسينات، عملت الإمبريالية بسعي حثيث ومتواصل لإسقاط الأنظمة التي ترفع شعارات الوحدة، وكان ما يقلقها أشد القلق- تلك المنطلقات الفكرية والسياسية التي انتهجها حزب البعث العربي الاشتراكي. ولم يكن حزب البعث في تلك المراحل- يمتلك أو يعمل من أجل امتلاك أسلحة نووية أو بيولوجية أو كيماوية.
كان السلاح الذي يشكل هاجساً للإمبريالية هو السلاح الفكري الوحدوي. ولم تستطع الإمبريالية على الرغم من سعيها الحثيث ومؤامراتها المتواصلة- أن تفل نصل ذلك السلاح. وعملت كل الوسائل واتَّبعت كل السبل: حرب حزيران / يونيو في العام 1967م، وأخضعت نظام السادات في مصر لعملية غسل سياسي أيديولوجي نفسي فأخرجته من تحالف الصراع مع الصهيونية، وحاولت تكبيل المقاومة الفلسطينية وجرَّها إلى مستنقع التسوية، فقامت بحروب متواصلة ضدها، ولكنها لم تحقق الغرض. طوَّقت بكل ما تستطيع الحركة العربية الثورية، على الصعيدين القطري والقومي، ولكنها لم تفلح في مسحها. وحاولت أن تُضعف نظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، كآخر وأهم حصن من حصون الرفض الفكري لمخططات الإمبريالية، ولم تنجح.
تستهدف الإمبريالية، أولاً وقبل أي شيء آخر، دكَّ الحصون الوحدوية الفكرية، وتستهدف منع أي كان من امتلاك الحد الأدنى من وسائل الاستمرار. لماذا؟
إذا عرفت ماذا تريد الإمبريالية أن تحققه تستطيع أن تحدد وسائلها وأهدافها.
بنت الإمبريالية، القديمة والمعاصرة، أحلامها على أساس الهيمنة على مقدرات الشعوب الضعيفة كوسيلة من وسائل تحصين نفسها بالقوة من جهة، والمحافظة على ضعف الشعوب من جهة أخرى.
لقد أمَّنت وسائل قوَّتها، وفي المقابل عليها أن تحافظ على جرثومة الضعف في جسد الشعوب الضعيفة. ومن أجل هذا السبب كانت استراتيجيتها تنبني على أساس منع أية أمصال تعمل من أجل مكافحة جراثيم الضعف، فقوَّتها تتضاعف إذا ما حافظت على قوَّتها من جهة وعلى استمرار الضعف عند الشعوب من جهة أخرى.
ضُرب العراق، وحُوصِر، وصُودِرَت أمواله، ووُضِعت وصاية دولية على أمواله. ودُمِّرت أسلحته برضى وتآمر من الأنظمة الضعيفة والهزيلة، واستمرَّت جوقة مطالبة العراق، من قبل الأنظمة الضعيفة بتدمير كل أسلحته. وكأن مطالبتها هو مصدر فخر لها. ولم تكتفِ تلك الأنظمة بما دُمِّر من أسلحة كان يمتلكها العراق بل استمرت تطالب بمصادرة الأدمغة العربية التي صنَّعتها، وبالمخططات النظرية التي وضعتها. فهم يخشون من الأسلحة، ولكن خشيتهم الأكبر هي من امتلاك الدماغ الذي يخطط لها ويُصنِّعها.
فإذا كانت مصلحة الإمبريالية أن تُبقي الأمم ضعيفة، فأين تكمن مصلحة الأمم الضعيفة؟ فهل تكمن بالإصرار على المحافظة على ضعفها؟ يا للعار!!!
أسلحة العراق الفكرية والمادية، سواء كانت الثروة المادية أم الثروة الفكرية، ليست ملكاً للعراق لوحده، بل هي ملك للأمة العربية في كل مكان وزمان.
الدفاع عن إمكانيات العراق دفاع عن جزء من إمكانيات الأمة، كما إظهار الحرص على إمكانيات أي قطر عربي هو حرص على إمكانيات الأمة العربية مجتمعة.
لماذا تقف، حتى الأنظمة العربية، ضد العراق؟ لماذا تُطالب تلك الأنظمة العراق بتطبيق قرارات هيئة الأمم المتحدة، ولا تطالب »إسرائيل«؟
تخشى الأنظمة الضعيفة أن تهتَّز الأرض تحتها، لأنها تعرف أن عروشها مصنوعة من الخشب الإمبريالي. لكنها لو استندت إلى خشب شعوبها لكانت أقوى وأكثر رسوخاً.
إن استهداف العراق، وسوف يبقى مستهدفاً، سواء بالعدوان أو التهديد باللجوء إليه، ما دام رافضاً أن يبني عرشه من خشب إمبريالي، بما يعنيه من رهن إرادته وحريته السياسية، وبما يعنيه من رهن لثرواته للهيمنة الإمبريالية، وبما يعنيه من البقاء في موقع التابع، وفي موقع المستهلك، وفي موقع من ينتظر من يفكر عنه وبمستقبله.
إن العدوان المستمر على العراق، بما فيها قرارات مجلس الأمن، حتى ما يطلقون عليه زوراً، القرارات الإنسانية، هو عدوان على حرية شعوب الأرض بشكل عام، وعلى الشعب العربي بأكمله بشكل خاص. فهو مصادرة واضحة ووقحة لحق الشعوب في الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية.
لقد أثبتت طبيعة العدوانية الإمبريالية أنها عدوان ضد كل شعوب الأرض التي لا ترضى أن تبقى في موقع التابع. فالدفاع عن العراق، أو في أضعف الإيمان رفض السياسة الإمبريالية، هو دفاع عن القيم الإنسانية لكل الشعوب.
فإذا كانت الأنظمة خانعة خاشعة خاضعة أمام السيد الإمبريالي، فأين تقع مصالح الشعوب في الخنوع؟
الأنظمة تؤمن الاستمرارية لمصالحها. وتبقى الشعوب في موقع المستنزَف من أنظمتها التي تستنزفها مصالح الإمبريالية. فهي مُستنزَفة على أي حال، فهي لن تخسر شيئاً إذا وقفت إلى جانب من يمثِّل مصالحها ويطالب بها ويقف متحدياً القوة التي تستنزفها، ليس عند الشعوب ما تخسره في الوقوف على الحياد. بل الوقوف إلى جانب من يعبِّر عن مصالحها هو الموقف الحق والأصيل، وهو أضعف الإيمان.
لن نطالب الأنظمة بأن تكون الحياد أيضاً، ولن نتمنى على أي نظام أن يتوسَّط لدى المعتدين لمنع العدوان المستمر على العراق، مع العلم أن الاعتداء مستمر بشتى الأشكال والوسائل، وليس العدوان هو فقط ما ننتظره من عملية عسكرية، نتوهم أنها إذا لم تحصل أن ليس هناك عدوان. نحن لا نطالب أن نمنع الضربة العسكرية المرتقبة وكأن أميركا قد اختزلت العدوان وحاولت أن توحي لنا أنها لا تمارس العدوان في كل لحظة، فنحن نعتبر أن العدوان حاصل ما دامت إرادة العراق مكبَّلَة وما دام الحصار مفروضاً عليه، وما دامت لجان التفتيش تقوم بدورها. أليس من العار أن نطالب من العراق أن ينزع أسلحته حتى إذا وًجِدت؟
أليس من العار، في ظل عالم تمتلك فيه عشرات الدول أسلحة من نوع وبأية كمية، أن نعتبر أن العراق هو المخطئ الوحيد في ظل عالم يسوده السلام، في ظل عالم ينتزع السلاح من على سطح الكرة الأرضية. أوَ ليس من العار على العرب، بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام، أن تكون مطالبتهم للعراق بالتقيد بالقرارات الدولية هو مطلب حق؟
نحن لا ندعو العراق، أن يتخلَّص من أية أسلحة، هذا إذا كان يمتلكها بالفعل، بل علينا أن نطالبه بامتلاك تلك الأسلحة كجزء من موجبات الدفاع عن نفسه وعن غيره من العرب في ظل عالم مملوء بكل أنواع الأسلحة، ولن نقول على رأسهم ترسانة العدو الصهيوني النووية والجرثومية والبيولوجبة!!!
فليقل لنا الحريصون على الشرعية الدولية: هل هم مقتنعون أن المنطق الإمبريالي هو النظام الذي يمكن أن يحقق العدالة والمساواة بين دول العالم؟

ليست هناك تعليقات: