الخميس، فبراير 25، 2010

خطة بوش الجديدة

-->
--> -->
خطة بوش الجديدة
استئناف للهولوكوست ضد الشعب العراقي،
ولكن؟
21/ 2/ 2007
كلمة هولوكوست تعني في اللغة اليونانية «الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون». وفي التوراة تعني» الكارثة«. وفي القرن التاسع عشر تم استعمال الكلمة لوصف الكوارث أو المآسي العظيمة.
واستخدمت كلمة «الهولوكست الأسود« لوصف موت اعداد كبيرة من الزنوج على السفن التي كانت تقلهم إلى عبوديتهم في الولايات المتحدة .
ونضيف إلى تلك التعريفات «الهولوكوست الأحمر« لوصف اجتثاث الهنود الحمر، سكان أميركا الأصليين، على يد المستوطنين الأوروبيين البيض، إن وليم برادفورد حاكم مستعمرة بليتموت، الذي استخدم كل أنواع الأوبئة للقضاء على الهنود الحمر، يقول: «إن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة على قلب الله، ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت. إنه على المؤمنين أن يشكروا الله على فضله هذا ونعمته». وفي قوله يجمع ما بين وصف الهولوكوست بالكوارث وبأنها «الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون».
وينطبق التعريف أعلاه على ما يجري في العراق منذ أن قام العرق الأميركي الأبيض باحتلال العراق في العام 2003. ولذلك نضيف إلى المصطلحات «الهولوكوست العراقي».
شنَّت إدارة جورج بوش العدوان على العراق تحت هدف أساسي مُعلَن، نشر الديموقراطية فيه بعد اجتثاث ما يزعم أنه «ديكتاتورية حزب البعث»، أو «ديكتاتورية صدام حسين». وتحت الشعار المزعوم كانت تلك الإدارة تريد أن توحي برسالة إلى الأميركيين، وإلى الشعوب الأخرى ذات الإيديولوجيات الشوفينية الملوَّثة بالتفوق العرقي والحضاري، أن احتلال العراق هو دفاع عن الإنسانية التي خلقها الله من أجلهم، وقد عتب على كل من لم يجاروه في مخططه، ولم يشكروه على ما قدَّمه لهم من فضل ونعمة.
من أجل أن نثبت صحة مصطلح «الهولوكوست العراقي»، شكلاً ومضموناً، علينا أن نعرِّج على الأسباب التالية:
1-لم يبق ادِّعاء جورج بوش وإدارته بأنه رسول لله على الأرض موضع نقاش أو تشكيك، فقد أعلنها في أكثر خطاباته. كما أنه مدعوم من أكثر الطوائف المسيحية أصولية وإيماناً بانتظار المعركة الحاسمة بين «قوى الخير والشر» تمهيداً لظهور«المسيح المخلِّص» على أرض فلسطين. وأصبح من الثابت أن حسم المعركة لصالح «قوى الخير» يوجب عليهم تقديم القرابين مهما بلغ حجمها، ونوع الطريقة التي يستخدمونها من أجل ذلك، وهي وصلت إلى حدود الأمر بـ«بقر بطون النساء الحوامل».
2-أعلنت إدارة جورج بوش أن العراق هو أحد ثلاثة أقانيم للشر، وكان على رأس أولوياتها في الاقتلاع، وهذا ما حصل بالفعل. وقد جمعت إدارته إيديولوجياتان: إيدولوجيا «تفوُّق الرجل الأبيض» مع إيديولجيا «التوراة» بكل مضامينها التي تزعم أنها «إلهية»، وكلاهما يؤمنان إيماناً وثيقاً بوجوب تطبيق «الهولوكوستية» بكل تفاصيلها. فالأولى تستند إلى إبادة كل من ليس أميركياً أبيضاً لأن ذلك، حسب زعم أهم روَّاد قدامى الأميركيين، «يدخل السرور والبهجة على قلب الله»، أما الثانية فتدعو إلى قتل البشر واقتلاع الشجر والحجر، ولا يستثني من ذلك «بقر بطون النساء الحوامل».
3-كان الانتصار الأول للهجمة الأميركية على العراق في المراحل الأولى للعدوان عند الواهمين عبارة عن «نصر إلهي»، رفع من أجله جورج بوش «صلاة الشكر» على متن أحد بوارجه الحربية، بينما كان «هولوكوست تدمير الدولة العراقية» يجري على أقدام اللصوص، ممن أدخلهم بوش إلى «هيكل الخلاص»، وأقدامهم.
4-لم يشكر العراقيون ما فعلته أيدي الاحتلال، ولم تدخل البهجة نفوسهم لما فعله «المسيح الدجال»، بل دعوا عليها بالكسر، وكسروها بالفعل. واشتد ساعد جاحدي معروف «المبعوث الإلهي»، وتوسَّعت رقعة رفضهم، ووصلت «الموسى» إلى يد الشارع الأميركي، وهو أكثر ما أوجع «ذقن إدارة جورج بوش» وأوجع «ذقنه» أيضاً.
5-حسم الشارع الأميركي قراره لصالح إنهاء مهمة جورج بوش «الإلهية»، ووصل الكثيرون إلى وصفه بـ«المسيح الدجال»، وطرقت الديموقراطية أبواب البيت الأبيض ودخلت إلى المؤسسات التشريعية، فلم يعترف بها، ورفضها، لأن الديموقراطية لن تكون عادلة أمام أوامر «التكليف الإلهي»، فالبشر ليسوا أدرى بمصالحهم أكثر من «ربهم»، وأولياء الأمر الناطقين باسمه، والحاكمين باسمه، والمدلِّسين باسمه.
6-لقد ذابت ثلوج ديموقراطية إدارة جورج بوش، و«بان مرجها»، و«بال مبعوث الله الأميركي» على كل خطاباته، ومزاعمه بتصدير «خيرات الديموقراطية» إلى العالم عامة، وإلى العراقيين بخاصة. وأصرَّ على استئناف «مهمته الإلهية» في العراق، فابتكر له مشعوذوه «استراتيجية جديدة»، التي على الرغم من كل تقييمات عسكرييه وسياسييه وماسكي دفاتر حساباته وحاملي مفاتيح مقابر جنوده، وكأنهم يزرعون في نفسه أن من كلَّفه بالمهمة لن ينساه، فراح يتابع مهمته في العراق.
7-لقد أرسل بوش المزيد من الجنود إلى العراق، وحشر في بغداد وحدها أكثر من مائة ألف جندي، بين جندي أميركي مُرغَم ومرتزق طامع بأجر مغرٍ وعميل خائن مأجور.
إن مقدمات ما ذكرنا تؤكد أن هولوكوست جديدة يقوم جورج بوش بتطبيقها في العراق الآن، وتلك أهم مظاهرها:
-لم تُجدِه نفعاً كل أنواع الكوارث، والجرائم، والمحارق، ووسائل الإبادة بالنابالم واليورانيوم المنضَّب، والاعتداء على أعراض ماجدات العراق، ودفن الأطفال والنساء والشيوخ تحت أنقاض بيوتهم، والحجز على حرية مئات آلاف العراقيين الأحرار. بل تابع المهمة القذرة بعيون لا ترمش لها جفون.
-لم تُجْدِه نفعاً تعميم وسائل «الهولوكوست» على النجف وكربلاء والفلوجة والقائم والموصل والرمادي وتلعفر وبيجي وكركوك وتكريت، ولم ترو ظمأه للدم والقتل والسحل. بل استقدم عشرات الآلاف من جنوده ليعيث قتلاً وتدميراً واعتقالاً ببغداد تحت شعاره «فرض النظام».
-لم تُجْدٍه نفعاً اغتيال قائد العراق العظيم، ورفاقه، وهم قادة العراق الشرعيين باعتراف كل قوانين الديموقراطية في العالم، بل عاث جورج بوش فساداً في أرض العراق ودم شعبه. وهو مستمر بما بدأ به للقضاء على كل أثر يُشتَمُّ منه رائحة وحدة العراق أرضاً وشعباً.
-لم يُجْدِه نفعاً تجويع العراقيين وقطع أرزاق من لم يستطع قطع رقابهم، وعاث لؤماً وخبثاً بإرغامهم على الهروب إلى خارج العراق حتى بات عددهم يفوق الملايين الخمسة. بعد أن فاق عدد القتلى السبعماية ألف عراقي على أيدي من جاءوا يحملون إلى العراق سلالاً من «الديموقراطية».
وباختصار، لم يأت جورج بوش باستراتيجيته الجديدة بشيء جديد. فالقتل مستمر والتدمير مستمر والاعتقال مستمر والتعذيب لم تتغير وسائله، والاغتصاب مستمر بل فاق ما كان يجري إذ أخذ من ينسبون أنفسهم للعراق يتعلمون اغتصاب أخواتهم وأمهاتهم بمباركة من رؤساء عصابتهم، زمنيين وروحيين، على مقاعد الحكومة أم على مقاعد الميليشيات.
«الهولوكوست» مستمر في العراق، سواءٌ أكان بطبعته القديمة أم بطبعته الجديدة.
«الهولوكوست» مستمر بإبادة شعب العراق منذ دنَّست قدم جورج بوش أرضه.
«الهولوكوست» مستمر بطباعة «ديموقراطية» مزعومة على الرغم من أن المسافة بين بغداد وواشنطن قد ملأتها بساطير الجنود الأميركيين القتلى، وقد وصلت إلى البيت الأبيض تطرق أبوابه بشدة.
أما الجديد في المشهد العراقي الآن، فإن مفاهيم الهولوكوست تُصاغ بشكل جديد، وتلك الصياغة يتشارك فيها عاملان تضافرا معاً، بما لا يمكن لجورج بوش أن يفلت بفعلته، وهما:
-جهد المقاومة العراقية ونضالها، التي تعمل على تحويلها من «محرقة» إلى «مفخرة».
-عامل استنزاف خطة بوش الجديدة الذي صمَّم الشعب الأميركي على القيام به وتوفير حظوظ النجاح بالضغط على من يُسمونه بـ«الرئيس الغبي».
أما جهد المقاومة العراقية، وهي قد بدأت نتائجها تبشر بالخير، فقد وضعت خطة «فرض النظام» تحت اختبار عسير، خاصة وأن أعداد الجنود الأميركيين القتلى تزداد، وترافقها خسارة أكبر منها في أعداد موتى الجنود العملاء أيضاً.
إن إصرار المقاومة العراقية، بكل فصائلها، على مواجهة «الهولوكوست الجديدة»، ليس بالندب والبكاء، بل مواجهتها بالحديد والنار، فالعراقيون يرفضون أن يكونوا ضحايا ضعفاء بل مقاومين أشداء، كما هم يرفضون أن تُضاف «الهولوكوست العراقية» إلى سجل «محارق التاريخ»، وتتحول إلى مبكاة يستدرون بها عطف العالم. وإنما أن تتحوَّل إلى مفخرة من البطولات التي ترغم من تُسوِّل له نفسه بارتكاب مثلها أن يحسب ألف حساب. ولكن جُلَّ ما تطلبه المقاومة من الشعب الأميركي، وشعوب العالم الحر، أن ينصبوا محاكم «نورنبرغ جديدة» لمحاكمة آخر صاحب محرقة في التاريخ المعاصر وأركان إدارته، وكل من تواطأ معه من رؤساء وحكومات في الغرب والشرق معاً.
أما صوت الشارع الأميركي، فقد أخذ يتعالى رفضاً، بكل وسائل الإعلام. وبكل وسائل الاستجوابات في مجلسيْ النواب والشيوخ. وأخذت أصوات الجنود القتلى أو الذين ينتظرون حتفهم بين رمال صحراء العراق، تتعالى إما بواسطة رسائلهم، أو بواسطة كاميراتهم، لتصل إلى أهلهم صرخات مدوية بالشكل الذي لا تتركهم فيه يرتاحون، أو يريحون.
لقد أعلن الديموقراطيون، لأنهم وصلوا إلى كراسي الحكم بأصوات رافضي الحرب على العراق في الشارع الأميركي، أن إصرار جورج بوش على العناد وعلى صمِّ أذنيه لكي لا يسمع نتائج الانتخابات الديموقراطية لن يجعله بمنأى عن سلسلة من الضغوط أعدوا لها مستلزماتها وأطلقوا عليها «حرب استنزاف خطة بوش الجديدة». ولا يزال تهديد هيلاري كلينتون لجورج بوش ودعوته إلى سحب الجيش الأميركي خلال تسعين يوماً يصم أذنيه ويعمي بصره.

ليست هناك تعليقات: