الخميس، فبراير 25، 2010

احتلال العراق حلقة أخيرة في استراتيجية الأمركة

-->
احتلال العراق حلقة أخيرة في استراتيجية الأمركة
لنهب ثروات العالم واستعباد شعوبه
 

نيسان 2009
التجزئة العربية استراتيجية استعمارية صهيونية
كان احتلال العراق، في العام 2003، نتيجة إعداد استراتيجي طويل للإدارة الرأسمالية الأميركية، تعود أصوله التاريخية إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. أما أصوله الإيديولوجية فتعود إلى أطماع إمبراطورية أميركية رأسمالية الأهداف للسيطرة على العالم بأسره، وفي القلب منه أقطار الوطن العربي الكبير، لتميز موقعه الجغرافي الاستراتيجي من جهة، ولموقعه الاقتصادي كمخزن لثروة البترول من جهة أخرى.
إن الاستراتيجية الطويلة الأمد لها عمق تطبيقي تأتي اتفاقية سايكس بيكو لتمزيق المنطقة، ووعد بلفور لتأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين، في القلب منه. وهذان العمقان يشكلان القاعدة الرئيسية لكل سياسة العدوان العسكري والاحتواء السياسي التي مارستها الإمبريالية القديمة (فرنسا وبريطانيا) وراحت الإمبريالية بطبعتها الأميركية تستكمل تنفيذ المخطط المرسوم.
لم يكن احتلال العراق إلاَّ حلقة من حلقات تنفيذ المشروع الاستراتيجي المذكور أعلاه، إذ كانت أهداف ضرب الاتجاهات القومية الفكرية من جهة، وتقويض أي ترجمات سياسية عملية لها من جهة أخرى، هي السياسية الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية التي ابتدأت في الخمسينيات لتقويض التجربة الناصرية في مصر وتجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية. وكان العدوان على مصر بما كان يُعرف بـ(حرب السويس) في العام 1956، وعدوان 6 حزيران في العام 1967، من أهم مظاهر تلك العدوانية من أجل منع قيام أي هيكل وحدوي بين الأقطار العربية وفي الوقت نفسه فرض الحماية على الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة. وجاءت اتفاقية كامب ديفيد، في العام 1979، لتمثل أهم مظاهر سياسة احتواء الحركة القومية العربية لتحقيق الأهداف الاستعمارية الأميركية المركزية.
وإذا كانت أهداف الإمبريالية قد أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني، إلى دائرة ما تسميه السلام مع العدو الصهيوني فإنها أخرجت مصر أيضاً من دائرة الصراع مع الإمبريالية وجعلت منها ملحقاً يستجيب لإملاءات التحالف الصهيوني الاستعماري.
من مراجعة الأصول التاريخية والإيديولوجية للمشروع الرأسمالي الحديث والمعاصر، يمكننا أن نستنتج أن هناك حقيقة واحدة لا جدال فيها، أنه حيثما تتواجد الإمبريالية الرأسمالية فسوف تجد أثراً عميقاً للمصلحة الصهيونية والتأثير الصهيوني. وهذا يؤكد أن مواجهة أحدهما لا يمكن إلاَّ أن تواجه الآخر. فالصراع معهما رزمة واحدة. فحيثما حلَّت الصهيونية في أرضنا العربية لا يمكن إلاَّ أن تكون أرضية للرأسمالية الأميركية، وإذا تم إضعاف الصهيونية فهو إضعاف للتأثير الرأسمالي الأمبريالي، ولذلك يكون تحرير فلسطين من الصهيونية هو تحرير لها من الوجود الأمبريالي.
فالصراع الذي تخوضه القوى التقدمية والجذرية في الأمة العربية هو بالضرورة صراع ضد تحالف نعتبر من المستحيل التمييز بين قطبيته. وهذه هي الإيديولوجية التي تخوض فيه الحركات القومية العربية الصراع على أساسه منذ مرحلة الخمسنيات من القرن العشرين.
وعندما ذلل التحالف الأميركي الصهيوني العقبة المصرية باتفاقية كامب ديفيد في العام 1979، والعقبة الفلسطينية باتفاقية أوسلو في العام 1993، ومن بعدها العقبة الأردنية التي لم تكن عصية على الحل باتفاقية وادي عربة في العام 1993 أيضاً، وأدخلت سورية على طاولة المباحثات عن تسوية في العام 1992 في مؤتمر مدريد، ظلت العقدة العراقية عصية على الحل سواءٌ أكان بالتهديد بالقوة العسكرية أم كان بالاحتواء السياسي، الأمر الذي وضعه في دائرة المعالجة السريعة. وهكذا اتخذ قرار احتلال العراق منذ العدوان الثلاثيني عليه في العام 1991، ومرَّ بحصار طويل لا يخضع لأي معايير إنسانية أو أخلاقية، وانتهى بعدوان عسكري في آذار من العام 2003.
وُضعت القضية العراقية على نار حامية في الروزنامة الأميركية بعد أن سيطر اليمين الأميركي المتطرف على البيت الأبيض بإحكام. وكان قد تحالف مع عدد من الحركات اليمينية المتطرفة أيضاً، وقد ضمَّ هذا التحالف، كل من: اليمين المتطرف الأميركي الذي يعتقد ببناء إمبراطورية أميركية تحكم العالم وتتحكم بمصيره، واليمين الصهيوني المتطرف الذي يعتقد ببناء دولة توراتية حدودها تمتد بين نهر النيل المصري ونهر الفرات العراقي، واليمين المسيحي المتصهين الذي يعتقد بظهور المسيح المخلص في معركة هرمجدون في أرض فلسطين، وهم يعدون أنفسهم لخوض تلك المعركة، كمعركة تدور بين قوى الخير وقوى الشر. وكان الطرف الخفي في هذا التحالف يتمثل بحركة سرية اقتصادية يطلق عليها اسم (الحركة السيناركية) وهي تضم مافيات من تجار الحروب التي تقصد الربح من دون الاهتمام بمن سينتصر بالحرب.
لماذا احتلال العراق؟
بات من الواضح أن احتلال العراق جاء من ضمن استراتيجية اليمين الأميركي المتطرف في بناء إمبراطورية أميركية تُعتبر نهاية للتاريخ بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي بتفكيك الاتحاد السوفياتي. ولعلَّ كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما، الفيلسوف الأميركي، يشكل المظهر الأكثر تعبيراً عن تلك الاستراتيجية. وفي تلك الاستراتيجية ما يؤكد أن البناء الأمبراطوري الأميركي الجديد لن تكتمل مقوماته إلاَّ بالسيطرة على الثروة النفطية في العالم لأنها تشكل عصب الاقتصاد العالمي، ولأن من يسيطر عليه يستطيع السيطرة على العالم. ولما كان العراق، في منطقة الشرق الأوسط يحتل مرتبة المقاومة الأول في مواجهة المشروع الأميركي، ولأنه استعصى على سياسة الاحتواء الأميركية، نفذ صبر الإدارة اليمينية المتطرفة، التي تمثلها إدارة جورج بوش، فلجأت إلى وسيلة التدخل العسكري المباشر، كبديل لسياسة الاحتواء، واتخذت قراراً باحتلال العراق واعتباره محطة عسكرية دائمة تسيطر بواسطتها على كل المحيط العربي والإقليمي المجاور وإقفال بوابتها في وجه أي تدخل روسي من الشمال، وحماية وجودها المباشر في أفغانستان الذي يشكل حلقة السيطرة على دول شرقي آسيا. وهذا يؤكد أن للاحتلال الأميركي للعراق أهداف استراتيجية دولية، ولم تكن أهدافاً مرحلية كما حاولت وسائط الإعلام الأميركي أن توحي بذلك.
غطَّت إدارة جورج بوش أهداف احتلال العراق بـ(إسقاط نظام صدام حسين) لسبب أنه نظام ديكتاتوري. فظهر للرأي العام العالمي، والعربي، وكأن هدف نشر الديموقراطية في العراق هو ما كان يشغل بال إدارة جورج بوش. وقد انطلت وسائل الخداع على عقول قطاعات واسعة من الرأي العام.
لقد كانت الحقيقة التي استندت إليها إدارة جورج بوش في احتلال العراق، هو أن النظام السياسي الحاكم كانت له أهداف إيديولوجية معلنة تصوِّب له طريقة حكمه السياسي. وتلك الأهداف هي أهداف حزب البعث العربي الاشتراكي التي تعمل على مسارات فكرية قومية عربية ثابتة تتلخص في العمل من أجل الوحدة العربية، كمظهر سياسي للفكر القومي، وتطبيق الاشتراكية كنظام اقتصادي يوجِّه خطوات الدولة العراقية لتوفير العدالة والمساواة بين مواطني الدولة العراقية على أن تكون خطوة أساسية لتعميمها على المجتمع العربي الموحد.
أما هدف الوحدة العربية فهو يتناقض تماماً مع الاستراتيجية الاستعمارية التقليدية المحكومة بسقف اتفاقية سايكس بيكو، وهذا الهدف يشكل خطاً أحمر أول مع الأهداف الأميركية.
وهذا الهدف أيضاً يتجاوز الخطوط الحمر الصهيونية لأنه يستهدف اقتلاع (إسرائيل)، الدولة التي قامت على عوامل الاغتصاب لأرض ليست لها، وإنما أكسبتها الصهيونية، بدعم من الاستعمار، شرعية دولية قائمة على ذرائع دينية تعود أصولها إلى آلاف السنين، وترتبط بالعقيدة اليهودية.
أما هدف الاشتراكية، فهو غني عن التوضيح لتناقضه التام مع العقيدة الرأسمالية العالمية بشكل عام، والعقيدة الإمبراطورية الرأسمالية الأميركية بشكل خاص. وإذا كانت النزعة الرأسمالية قد سجَّلت انتصارها على أقوى دول العالم الاشتراكي الذي كان يمثلها الاتحاد السوفياتي، فلا يجوز أن تبقى دولة أخرى على الخريطة الدولية على قيد الحياة ما دامت تؤمن بمبدأ الاشتراكية، بل عليها أن تتبنى عقيدة الاقتصاد المؤمرك القائم على اقتصاد السوق والخصخصة.
لقد تجاوز نظام حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق خطاً اقتصادياً أحمر عندما انخرط في ورشة بناء نظام اقتصادي منتج، لأنه سيبقى يشكل الحافز أمام دول الوطن العربي أنموذجاً يغذي حركات التغيير السياسية والاقتصادية.
كان من المؤسف أن هذه الأسباب الحقيقة التي كانت تقف وراء احتلال العراق أن أكثر الحركات الحزبية والفكرية والسياسية والاقتصادية التقدمية، ومنها قطاعات واسعة من الشيوعيين العرب، قد انخدعت بالأسباب المفتعلة التي روَّجت لها وسائل الإعلام الأميركية والرأسمالية العالمية، وحصرتها في دائرة الصراع بين الديموقراطية والديكتاتورية، وهذا ما جعلها تمحض تأييد بعضها المعلن لإسقاط نظام حزب البعث العربي الاشتراكي السياسي، ودفع البعض الآخر لمحض تأييدها المضمر لتلك الخطوة. وكان من أشد ما يُؤسف له أن جناحاً منها، وهو الحزب الشيوعي العراقي، يشارك في العدوان ويساعد الاحتلال الأميركي من خلال مشاركته في ما سمته غدارة الاحتلال (العملية السياسية).
احتلال العراق جريمة قانونية وإنسانية دولية
أصبح من الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة الأميركية عندما أقدمت على احتلال العراق اختلقت أسباباً وذرائع صوَّرت فيه العراق وكأنه يشكل تهديداً للأمن العالمي، كبؤرة للإرهاب، يمتلك أسلحة الدمار الشامل من جهة، ومن جهة أخرى ينسج علاقات مع تنظيم القاعدة الأصولي المتهم بما سُمي (اعتداءات 11 سبتمبر) على مبنى التجارة العالمي في نيويورك.
إن تلك الذرائع لم تشكل دليلاً أقنع بعض الدول الممثلة في مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي دفعها إلى عدم الموافقة على إصدار قرار دولي يجيز استخدام القوة ضد العراق. لكنه على الرغم من ذلك اتخذت الإدارة الأميركية قراراً أحادي الجانب، بمشاركة حكومة بريطانيا وبعض الحكومات الأوروبية الأخرى كإيطاليا وأسبانيا، بشن العدوان على العراق واحتلاله. فتكون بذلك قد تجاوزت الإجماع الدولي كسبب يطعن بشرعية عدوانها. وبقيامها بإسقاط النظام السياسي في العراق بالقوة العسكرية تكون قد تجاوزت القوانين الدولية التي لا تجيز تدخل أي دولة بالشؤون الداخلية للدول المنضوية تحت راية الأمم المتحدة أولاً، والتي لا تجيز لدولة أن تحتل دولة أخرى ثانياً.
أبعاد الجريمة الأميركية المنظمة في العراق ذات علاقة بمشروع الشرق الأوسط الجديد
الوجه الأول: أنموذج تفتيت العراق السياسي على أسس طائفية
الوجه الثاني: أنموذج هيكلة الاقتصاد العراقي على مقاييس اقتصاد السوق
من أجل إنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد، أي الشرق المرتهن للإرادة الرأسمالية الأميركية، كان لا بدَّ من تقويض معالم الدولة العراقية سياسياً واقتصادياً لإعادة هيكلتها من جديد بما يخدم استراتيجيتها، وهذا ما خدعت به الرأي العام الدولي عندما سمته (إعادة إعمار العراق). وهذا يقتضي اتباع كل الوسائل والسبل، التي يمكن حصرها في سلسلة من الجرائم التي تخالف كل القوانين والاتفاقيات والتشريعات الأممية.
يصح الوصف أن الاحتلال الأميركي وعملاءه كانوا، طوال السنوات الست التي انقضت من عمر الاحتلال، يمارسون يومياً كل أنواع الجرائم وفي شتى الاتجاهات. وإذا كان وصف كل تلك الجرائم يفوق طاقة هذا التقرير لكثرتها واتساعها، فإنه من الممكن تصنيفها إلى عناوين كبرى.
عدم التزام الولايات المتحدة الأميركية بواجباتها كدولة محتلة جريمة ضد القانون الدولي
1-مرحلة تقويض معالم الدولة:
منذ تعيين بول بريمر، حاكماً مدنياً للعراق الواقع تحت الاحتلال، راح ينفذ أجندة كانت معدَّة سلفاً من قبل إدارة جورج بوش، وكان مضمونها يعمل على إعادة تغيير كل معالم النظام السياسي السابق، لضمان بناء نظام يستجيب للإملاءات الأميركية وينفذ تعليماتها على شتى الصعد، لذلك عملوا على تقويض كل مظاهره السياسية والعسكرية القائمة على أسس مفاهيم وطنية عراقية ومفاهيم قومية عربية. وهذه كانت مرحلة التقويض، التي تمثَّلت بقرارين استراتيجيين، وهما:
أ-قرار اجتثاث حزب البعث: لأن اجتثاث كل فكر أو اتجاه قومي وحدوي، أو كل فكر اشتراكي يتناقض مع الفكر الرأسمالي، يأتي في أولوية شروط إنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد. ولأن حزب البعث العربي الاشتراكي يتبنى الفكرين معاً، كان القرار الأول هو الذي أصدره بول بريمر في الأول من أيار من العام 2003، أي قبل مرور شهر واحد على احتلال العراق. وقد بدأ تطبيقه بتشكيل هيئة مركزية لتنفيذه، كما أُدخلت نصوص في الدستور العراقي الذي أملاه الاحتلال بعد سنة تقريباً من الاحتلال. وكانت نتائج التطبيق قد طالت ما يفوق الماية وعشرين ألفاً من البعثيين الذين قُتلوا. وما يناهز الآلاف من المعتقلين وأسرى الحرب، التي شملت أهم كوادر الدولة العراقية من مدنيين وعسكريين. وهنا كان إعدام صدام حسين، كرئيس لجمهورية العراق وكأمين عام لحزب البعث العربي الاشتراكي. وهذا ما حصل لنائبه طه ياسين رمضان.
ب-قرار حل الجيش العراقي: كانت إدارة الاحتلال تعتبر أن الجيش العراقي يشكل امتداداً فكرياً لعقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي. وإن بقاءه متماسكاً يشكل خطورة على استقرار الاحتلال، فكان قرار حل الجيش العراقي جاهزاً، وقد شمل ملايين الضباط والجنود وكافة الرتب العسكرية.
كان لقرار الحل آلية تنفيذية شملت عدداً من الإجراءات، منها:
-ممارسة سياسة الترهيب والترغيب للجهاز العسكري، قيادات وأفراد، من الذين يتأكد عدم إشباعهم بالروح الوطنية على قاعدة التربية السابقة.
-ممارسة سياسة التصفية الجسدية لكبار القيادات العسكرية ممن لم تستطع قوات الاحتلال أسرهم أو اعتقالهم.
-تدمير كل معالم البنى التحتية العسكرية من ثكنات وآليات، وتركها عرضة للنهب والسرقة من قبل الميليشيات الموالية للاحتلال. وقد استفاد تجار الحروب من ذلك عندما حولوا حتى الآليات الجديدة إلى خردة كانت تباع بالأسواق للاستفادة من معدنها...
ج-القضاء على الجهاز الإداري للدولة: وقد استخدمت قوات الاحتلال وعملاؤها أسلوب إقصاء الإداريين الذين يُشكُّ بولائهم لسلطات الاحتلال واستبدالهم بالموالين لها ولعملائها.
2-مرحلة (إعادة الإعمار):
من بعد أن اطمأنت سلطات الاحتلال إلى تدمير معالم الدولة العراقية، ولضمان تثبيت خطواتها، ابتدأت في إرساء تشكيلات سياسية وأمنية ووضعتها بعهدة ومسؤولية من أتت بهم على دباباتها ممن يضمنون لها السيطرة واتخاذ القرارات اللازمة لترسيخ قواعد الاحتلال وجعلها دائمة ومستقرة من غير تشويش، وكان من أهم القرارات المركزية هي التالية:
أ-تشكيل مجلس الحكم الانتقالي: بعد مرور أقل من شهرين من الاحتلال، أي في تموز من العام 2003، وقد ضمنت إدارة الاحتلال تعيين كل من تطمئن إلى ولائه من الذين تعاونوا معها قبل العدوان، وممن تعبت على تأهيلهم وضمان طواعيتهم، فكان تعيين (مجلس للحكم الانتقالي) هو بداية بناء جديد للهرمية السياسية المطلوبة. فاختارت خمسة وعشرين شخصية من المضمون ولاءهم في متابعة مسيرة تغيير كل بنى الدولة العراقية. هذا المجلس الذي كان من مهماته أن يعد لما سموه (انتخاب مجلس نيابي) تخوله صلاحيات إقرار التشريعات اللازمة التي تسبغ شرعية على الاحتلال.
ب-إجراء انتخابات في ظل الاحتلال: تشارك (مجلس الحكم الانتقالي) بتواطؤ مع مجلس الأمن الدولي في إصدار القرار 1546، في حزيران من العام 2004، والذي بموجبه شرَّع وجود الاحتلال الأميركي عندما نفى عنها صفة الاحتلال واستبدله بصفة (القوات المتعددة الجنسيات)، كونها قوات صديقة دورها أن تعد لانتخابات تشريعية كتمهيد لإقرار دستور عراقي يغطي كل العملية السياسية ويشرعها.
بناء عليهما، تقرر إجراء انتخابات تشريعية في آخر العام 2004، والتي تمت في موعدها، فكانت تلك الخطوة الأهم في تجاوز كل التشريعات الدولية ومخالفتها لكل التشريعات الأممية. ولذلك مهَّدت الانتخابات غير الشرعية إلى تعيين حكومة عراقية أعدَّت لإقرار دستور عراقي، بدت بها كل العملية السياسية وكأنها تكتسب شرعيتها أمام الرأي العام العالمي والدولي.
ج-تعديل الدستور العراقي: حري عن البيان أن إقرار دستور عراقي في ظل احتلال أميركي كانت من أهم أهدافه الاستقرار الدائم في العراق لحماية الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط ضد تهديدات الصين من الشرق وروسيا من الشمال، أن على هذا الإقرار أن يضمن وجود اتفاقيات مع حكومة عراقية تظهر وكأنها تكتسب شرعية دولية، فأتت نصوص الدستور لتتضمن كل الصيغ التي تمهد الطريق أمام تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهذا ما تدل عليه النصوص ذات العلاقة بما يلي:
-إنشاء النظام الفيدرالي القائم على أسس عرقية (أكراد شمال العراق)، وأسس دينية ومذهبية (فيدرالية الجنوب الشيعية)، و(فيدرالية الوسط السنية).
-حفظ صلاحية الدولة المركزية في عقد اتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية لتضمن الوجود الدائم لما سماه قرار مجلس الأمن الدولي (القوات المتعددة الجنسيات) للإشراف المباشر في العراق.
مواجهة الاحتلال ومقاومته أربكت الاحتلال وعمَّقت مآزقه
لم تكن مرحلة تهديم بنية الدولة العراقية، ومرحلة إعادة صياغتها على أسس تشرع البقاء الطويل الأمد للاحتلال، تجري من دون عوائق أو حواجز، وما بقي يدل على لا شرعيتها هو استمرار المقاومة الوطنية العراقية التي كانت من أهم الأسس التي أحبطت كل محاولات الاحتلال في اكتساب شرعية قانونية عملية.
إن انطلاقة المقاومة الوطنية العراقية بطريقة سريعة وقوية أذهلت إدارة جورج بوش، التي كانت تنتظر أن يقابلها العراقيون بالورود. تلك المفاجأة لم تحبط مراهنات تلك الإدارة وأحلامها. فهي كانت تعد كل الوسائل والسبل من أجل القضاء عليها أو التخفيف من وطأتها بالعمل على إضعافها.
فمنذ العاشر من نيسان، من العام 2003، تحولت معادلة الصراع على أرض العراق من مرحلة تقابل الجيوش النظامية التي تميل أرجحية نجاحها والانتصار بها إلى القوة الأميركية، إلى معادلة جديدة تقابلت فيها حرب التحرير الشعبية مع قوات الاحتلال النظامية. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المعادلة تُعرف بمعادلة الصراع بين المقاومة والاحتلال. وهذه المعادلة هي التي ستحسم الصراع على المدى الطويل لمصلحة المقاومة في حال تثبيت أدائها وضمان استمرارها.
في معادلة الصراع تلك، استخدمت المقاومة مخزونها النضالي وعزَّزت عوامل استمراره. وفي المقابل عزَّز الاحتلال الأميركي عوامل القضاء عليها، فكانت من نتائج محاولات الاحتلال ملايين الجرائم التي ارتكبتها قواته وعملاؤه.
ولكثرتها، وهولها وفظاعتها، يمكننا تصنيفها إلى عناوين رئيسية، وهي التالية:
تقصير الاحتلال بحماية المدنيين جريمة ضد اتفاقيات جنيف
-العمليات العسكرية لجيش الاحتلال ضد المدن والقرى: لقد شنَّت قوات الاحتلال مئات العمليات العسكرية الكبرى ضد المدن والقرى تحت ذرائع ملاحقة المقاومين، ممن كانت تطلق عليهم (العصاة)، أو المتمردين)، أو (الإرهابيين)، أو (الخارجين على القانون)، أو (فلول النظام السابق)، ولم تستخدم في وصفهم اسم (المقاومين) بل كانت تستخدم مصطلحات (تنظيم القاعدة)، أو أسماء تنظيمات إسلامية مما كانت ترتبط أسماؤهم في أذهان الرأي العام العالمي بـ(الإرهابيين). وقد أطلقت عليها أسماء متعددة مثل : (الأفعى المتسلقة)، و(القبضة الحديدية)، و(زئير الأسد)، ... وكان من نتائج تلك العمليات آلاف الضحايا المدنيين، وكان الأطفال والنساء والمسنين، هم معظم أولئك الضحايا.
وفي هذا الصدد وجَّهت المؤسسات الإنسانية الدولية ضد قوات الاحتلال الأميركي اتهامات بارتكاب جرائم حرب كانت قد وثَّقتها، وفي ملفات تلك المؤسسات مئات التقارير منها. ومما اتهمت به قوات الاحتلال استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، كاستخدام (اليورانيم المنضَّب)، و(القنابل الفوسفورية)، والعنقودية، و.. و..
كان من أبرز العمليات الوحشية الأميركية تدمير مدينة الفلوجة، التي وإن ارتبط اسمها بفظاعة الجريمة الأميركية فإنها أيضاً ارتبطت بأنموذج البطولة التي سطرتها قوات المقاومة العراقية.
ومن أبرز تلك الحملات، مجازر (تلعفر)، و(الخالص)، و(القائم) ... و(بعقوبة)...
لقد ذهب ضحايا تلك الحملات الوحشية، ودائماً حسب إحصائيات محايدة، مئات الآلاف من الضحايا المدنيين، وما يشابههم من المعطوبين... وملايين الأرامل والأيتام...
-جرائم الميليشيات الطائفية والعرقية: لقد نمت في ظل الاحتلال الأميركي، عشرات التنظيمات الميليشياوية، ممن تقودها جماعات مذهبية وطائفية وعرقية، وأصبح لكل ميليشيا دولتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية. وتحولت كل جماعة ميليشاوية إلى دولة ضمن الدولة.
ومن المؤسف أنه كان للنظام الإيراني دور كبير في مشاركة الاحتلال الأميركي في العدوان والاحتلال، وتشكيل ميليشياتها الخاصة التي تكاثرت في الشارع العراقي. وكان لها دورها الكبير والواضح في تهديم بنى الدولة العراقية، لأسباب بعضها يعود إلى ثارات حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق. وبعضها الآخر هو ضرب آخر معاقل الدفاع عن الأرض العربية من تدخلات الجوار ومن أهمها أطماع إيران التي تريد أن تحتل موقعاً قوياً في صياغة الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، والتي لا يمكنها احتلاله إلاَّ في حال إضعاف الشعور القومي العربي، واجتثاث من يعمل من أجل بناء وحدة عربية.
ولأن مشروع النظام الإيراني لا يمكنه النفاذ والتطبيق إلاَّ في بيئة تقسيم طائفي، أدخلت ميليشياتها من العراقيين الذين استقطبتهم في حرب السنوات الثمان (1980 1988) تحت حراب الاحتلال الأميركي، بالإضافة إلى إدخالها عشرات الآلاف من العناصر الأمنية الإيرانية، والبعثات الدينية. ولم تكتف السلطات الإيرانية بما كان لها من نفوذ في الأجهزة السياسية والعسكرية الأمنية للحكومات العميلة، بل أنشأت عشرات الأجهزة الميليشياوية التي ترتبط بها مباشرة. وقد استخدمت تلك الميليشيات في عدة اتجاهات، من أهمها: العمل على اجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي ومقاومته الوطنية من جهة، وتعميق الشرخ الطائفي بين المذاهب الإسلامية من جهة أخرى. وغالباً ما مارست تلك الميليشيات وسائل التطهير الطائفي لمناطق من العراق كانت قد وضعتها على لائحة ضمها إلى الفيدرالية الشيعية.
-جرائم الشركات الأمنية: إن الشركات الأمنية، بالأصل ابتكار رأسمالي حديث، وهي وجه من وجوه خصخصة القطاع العام، لمصلحة الرأسمال الخاص. كما هي وجه من وجوه سلب الدولة أهم واجباتها الوطنية التي تنحصر في توفير الأمن الوطني.
وهذه الشركات مملوكة من قبل القوى الرأسمالية الدولية أو الأميركية، أو تُعتبر هذه القوى المالك الرئيسي لها. وقد أكدت التقارير أن طوني بلير، الحليف الرئيسي لإدارة جورج بوش، مساهم فعلي في الشركات الأمنية البريطانية التي أُعطيت عقوداً للعمل في العراق. وأن شركة (بلاك ووتر) مملوكة من قبل المافيا السياسية في تلك الإدارة. وإذا كانت جرائم شركة (بلاك ووتر) هي التي كانت أكثر بروزاً إلاَّ أن هناك عشرات الشركات التي عملت في العراق. ويكفي أن أعداد العاملين فيها، للدلالة على حجم تأثيرها وفعاليتها، فاق الماية والخمسين ألف متعاقد مع تلك الشركات.
إن هذا العدد يفوق عدد قوات الاحتلال الفعلية، وكانت غاية حفظ أمن قوات الاحتلال وعملائها هي الهدف الأول، لذا ارتكب المتعاقدون معها عشرات الآلاف من الجرائم البشعة بحق العراقيين المدنيين، وكان مما يشجعهم على ذلك هو أن إدارة جورج بوش قد حمتهم من الملاحقات القضائية أمام المحاكم بإسباغ الحصانة عليها ومنع محاكمة أصحابها والمتعاقدين معها.
ولما لم يعد باستطاعة قوات الاحتلال التغطية على جرائم تلك الشركات، وأصبحت الحكومات العراقية العميلة في حرج كبير، ألغت قوات الاحتلال صورياً التعاقد شركة (بلاك ووتر) وهي أكثر تلك الشركات تأثيراً وإجراماً وأعادت التعاقد معها بأسماء أخرى.
نتائج الأعمال الإجرامية لقوات الاحتلال والميليشيات والشركات الأمنية
تقدر التقارير الصادرة عن المؤسسات الأهلية، كما مؤسسات الأمم المتحدة، ولا تنكرها قوات الاحتلال، أن حجم الجرائم وضحاياها بلغت الملايين، وهي على سبيل المثال، لا الحصر، شملت ما يلي:
-أحصى حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق عدد شهدائه الذين سقطوا في معارك المقاومة أو التصفيات الجسدية، فبلغ عددهم في آخر إحصائية له، ما يفوق الماية والخمسين ألفاً.
-القتلى المدنيون: أكدت الإحصائيات أن عدد القتلى من المدنيين فاق المليون قتيل. وقد بلغت الأرقام اليومية لشهور عديدة، ماية جثة في اليوم الواحد، وهي تعود لمن كانوا يتعرضون للخطف على الهوية ومن ثم يُقتلون ويُرمون في الشوارع. وقد مارست هذه الجرائم الأجهزة الأمنية للحكومة العميلة، كما مارستها الميليشيات الطائفية التي ترعاها الحكومة الإيرانية.
-ضحايا التهجير والتطهير العرقي والمذهبي في الداخل: ولكثرة الملاحقات وعمليات التطهير العرقي والمذهبي لغير المؤيدين للاحتلال أو عملائه أو عمليتهما السياسية، أخذ الملاحقون بتلك التهم يفتشون عن ملاذات آمنة لهم داخل العراق. وقد وصلت عدد الذين طالتهم تلك الحملات الملايين من العراقيين. وقد انعكست تأثيرات التهجير الداخلي خللاً كبيراً في البنية الديموغرافية للمجتمع العراقي، وربما وصلت تأثيراتها إلى تأسيس كانتونات تسيطر عليها النخب الطائفية أو العشائرية، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة المنسوب في الاحتقان الطائفي والعرقي في داخل التجمعات السكانية المشار إليها.
-ضحايا التهجير إلى خارج العراق: لقد أدت عمليات الإرهاب التي كانت تمارسها قوات الاحتلال الأميركي، وتلك التي كانت تمارسها الأجهزة الحكومية العميلة، وأجهزة الأمن والمخابرات الإيرانية، إلى صعوبة ملاذات آمنة لمئات الآلاف من العائلات، التي أُرغمت على الهجرة إلى خارج العراق. وتشير التقارير المبنية على إحصائيات دولية إلى أن عدد أفراد هذه الفئة قد ناهزت الخمسة ملايين مواطن عراقي، توزعوا بشكل أساسي بين سورية والأردن، وجاء بعدهما اليمن ولبنان ومصر. وغني عن البيان أن نتذكر الآلام والمتاعب وحالات الفقر والجوع التي يتعرَّض لها ملايين الأشخاص، خاصة وأن الدول التي تأويهم عاجزة عن توفير حاجاتهم الضرورية من مسكن وطعام وتعليم وطبابة. . ,. . .
-تصفية العلماء وكبار الضباط: من أهم أسباب احتلال العراق كان تدمير بنيته الصناعية والثقافية، أي إعادته إلى ما قبل العصر الصناعي كما عبَّر (وارن كريستوفر)، وزير خارجية إدارة جورج بوش الأب، عن ذلك. لقد أسس النظام السياسي في العراق بنية نهضوية صناعية، وأهَّل من أجل ذلك عشرات الآلاف من العلماء وأساتذة الجامعات والاختصاصيين الذي فتحوا أمام العراق بوابة عصر الصناعة، وهذا يُعتبر تجاوزاً لخطوط الاحتكار الرأسمالي الحمر. إضافة إلى ذلك أهَّل بنية عسكرية اخترقت الخطوط الحمر في التصنيع العسكري من جهة، وعبأت جيشاً يؤمن بمقاومة الصهيونية الغاصبة لأرض فلسطين بشكل خاص، ومقاومة المشاريع الاستعمارية بشكل عام.
من أجل كل ذلك تعرَّض علماء العراق، وكبار ضباطه إلى حملة تصفية واسعة، شملت اغتيال ما لا يقل عن خمسة آلاف عالم في شتى الاختصاصات، وتهجير الآلاف منهم إلى خارج العراق، كما أن مراكز أبحاث بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، قدَّمت إغراءات للمئات منهم، واستوعبتهم في مؤسساتها العلمية والبحثية.
-المعتقلون والأسرى ووسائل التعذيب: كان من أكبر جرائم العصر التي مارستها قوات الاحتلال الأميركي، هو أنها تحت ذريعة نشر الديموقراطية في العراق، تم اعتقال مئات الآلاف من العراقيين، ضاربة عرض الحائط كل اتفاقيات جنيف التي تنص على حقوق واضحة لأسرى الحرب، ووجوب حماية المدنيين. فلا هي اعترفت بحقوق الأسرى العسكريين، ولا السياسيين، ولا حتى حقوق المدنيين. ويكفي الإشارة إلى أنموذج سجن (أبو غريب) وفظاعة الجرائم التي كانت تُرتكب فيه. فكيف يكون الأمر لو أشرنا إلى وجود مئات المعتقلات الرئيسية في البصرة ومطار صدام الدولي، والسجون الفرعية في كل المدن والمحافظات حيث تتواجد مئات القواعد العسكرية؟
لم تكن معتقلات الاحتلال الأميركي وسجونه هي الوحيدة، بل كان لأجهزة الحكومات العميلة معتقلاتها وسجونها، وكذلك كل ميليشيا كانت لها سجونها أيضاً. ولا نستثني أجهزة الأمن الإيرانية التي كانت مسؤولة عما يماثل ما سبق وصفه.
أما عن ظروف المعتقلات والأسرى فهناك كم كبير من وسائل الاعتقال التعسفي والتحقيق القاسي ووسائل التعذيب، وهو ما يستهلك من دون أية مبالغة عشرات المجلدات الوصفية، ويكفي الإشارة إلى ما أعلنه عدد من المؤسسات التي تعنى بحقوق الإنسان عن أن العراق يتعرض إلى (مجزرة ديموقراطية) في انتهاك حقوق الإنسان في العراق.
-المحاكمات الصورية وأبرزها محاكمة صدام حسين وإعدامه: غاب القضاء في العراق تحت الاحتلال وبلغت درجة غيابه دون مرتبة الصفر. وقد حلَّ قانون شريعة الغاب بكل معاني الكلمة محل القانون الذي يحمي حقوق المواطنين، وكان من أهم مظاهر الفلتان القانوني التالية:
-كلَّفت قوات الاحتلال محاكم برداء عراقي شكلي محاكم لإخراج الأحكام المسبقة التي اتخذتها بحق من أرادت إحالتهم إلى المحاكم. وكان أكثرها وضوحاً المحكمة التي شُكِّلت لمحاكمة الرئيس صدام حسين وعدداً من رفاقه. فكانت النتائج هو أحكام بالإعدام صدرت بحقهم. وهي تتابع جلساتها المسرحية لمحاكمة عدد آخر من كبار المسؤولين العراقيين.
-للحكومة العميلة محاكمها الخاصة التي عُيِّنت من أجل الانتقام من أخصامها السياسيين والأمنيين.
-لكل ميليشيا محاكمها الخاصة التي تصدر أحكامها المسبقة والسريعة على أخصامها المذهبيين والعرقيين، وفي أحيان كثيرة تنفِّذ فرقها الخاصة أحكاماً بالتصفية الجسدية حتى من دون اعتقال. وقد اشتهرت سجون الميليشيات بوسائل توصف بأنها أكثر من وحشية حين تقتل بعض المعتقلين لديها بواسطة المثقاب الكهربائي قبل أن ترمي جثثهم في الشوارع.
الفساد الإداري والمالي
عرَّفت التقارير الصادرة عن مؤسسات محايدة أن العراق، بعد الاحتلال الأميركي، احتل المرتبة الأولى في استفحال الفساد والسرقة على كل المستويات، ومن بعض معالم الجرائم العامة، استطعنا أن نرصد العناوين العامة التالية:
-تدمير البنى التحتية للاقتصاد العراقي: بغض النظر عن الهدف الأساسي لقوات الاحتلال، لأنها تنفذ استراتيجية تجار الحروب، وهذا الهدف هو أن عليها أن تهدم ما هو قائم من بنى تحتية على شتى الصعد ليكون الهدم مبرراً للقيام بما أسموه تزويراً (إعادة الإعمار)، وهي الفرصة التي تتيح لشركاتها الحصول على عقود البناء. والاستفادة من الأرباح الطائلة التي تجنيها من تلك العملية. ولهذا لم تسلم أي منشأة حكومية، أو أي منشأة خاصة، من عملية الهدم والتدمير. وذلك يشمل حتى المؤسسات والمنشآت والآليات العسكرية. وقد تم تفكيكها قبل تدميرها لبيع معظم تجهيزاتها خردة من المعادن بأسعار مغرية لتجار المعادن أو لتجار الحروب.
-تدمير البنى العسكرية: مما نقلته التقارير أن الثكنات العسكرية تعرضت للنهب. وتذكر التقارير على سبيل المثال، أن الدبابة الجديدة التي لم تُستعمل والبالغ سعرها المليون دولار، كانت الميليشيات تفككها أو تقصها وتبيعها كحديد بما لا يتجاوز الأربعين ألف دولار.
هذا التدمير والنهب لم يبقِ حتى للتشكيلات العسكرية والأمنية التي أنشأها الاحتلال ما تستطيع أن تستخدمه، الأمر الذي أرغم المؤسسات التي تخضع لإرادة المحتل أن توقع عقوداً لشراء أسلحة خاصة بها. وحتى عقود الشراء كان يعتريها عيوب المبالغة بالأسعار ودفع المبالغ الطائلة للسماسرة، وقد أكدت بعض التقارير إلى أن السلاح الذي كانت تشتريه تلك المؤسسات كان يختفي من المخازن على احتمال أنه بدوره كانت تتم سرقته وبيعه في السوق السوداء.
-نهب النفط وتهريبه: لقد كانت المنشآت النفطية، ومنها وزارة النفط، هي المؤسسة الوحيدة التي لم تتعرض للتدمير أو التخريب. إلاَّ أن تنظيم استخراجه وبيعه هو ما كان عرضة للتلاعب والهدر والسرقة. وتشير التقارير إلى أن عدادات الانتاج قد خُرِّبت لمنع مراقبة ما يتم إنتاجه، والسبب هو العمل على تهريبه من دون رقابة أحد. وكان يتقاسم عائدات النفط المهرَّب جهات متعددة، وهي على التوالي:
-القيادات العسكرية العليا لقوات الاحتلال، طبعاً تحت غطاء حماية سياسية ممن يشكلون امتداداً لهم في الإدارة الأميركية.
-مافيات محلية للنفط شكلت فصائل عسكرية ميليشياوية لحماية عمليات التهريب. وهذه الميليشيات مرتبطة مع مراكز قوى في الحكومة العميلة.
-الميليشيات المرتبطة مع الحكومة الإيرانية كانت واسطة لتصدير النفط المهرَّب إلى إيران. كما أن إيران مارست عمليات السطو على عدد من آبار النفط في جنوب العراق.
-سرقة مليارات الدولارات: لقد بلغ حجم السرقات من الأموال المنقولة، التي زعمت الإدارة الأميركية أنها خصصتها لعملية إعمار العراق، بما يوازي الماية والعشرين ملياراً من الدولارات. وهذه المسألة تخضع حالياً لتحقيقات تقوم بها الإدارة الأميركية الجديدة. وستكشف المراحل اللاحقة عن جرائم أكثر من عمليات الفساد والسرقة.
-مظاهر الغنى الفاحش لدى القيادات العراقية المتعاونة مع الاحتلال: ونقلت التقارير معلومات عن نشاطات مالية يقوم به هؤلاء. ومما يُشار إليه أنهم يقومون بشراء العقارات، وتأسيس المصانع، وجمع الأموال في المصارف. وكل ذلك يتم عبر تهريب السرقات إلى خارج العقارات كما لو أنهم يحسبون نهايتهم عندما يهربون من العراق بعد الانسحاب الأميركي في العراق. وقد تركزت معظم أنشطتهم التجارية في دول الخليج العربي، ومن أهمها قطر والإمارات. هذا ناهيك عن الدول الأجنبية ومن أهمها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا.
أما المسؤولين الصغار، كأمثال من يُسمون بأعضاء مجلس النواب، فهم يتم إسكاتهم بإغداق الرواتب الكبيرة عليهم. ومن مظاهر ذلك، أنه يُصرف لكل منهم رواتب العشرات من الحمايات الأمنية. . .
أما رؤوساء الميليشيات فهم ممن أُتخموا بالعائدات المالية نتيجة تهريب السلع وممارسة التجارة غير النظيفة بشتى الوسائل والطرق. كما نضم إلى ذلك عائدات التشبيح والخوات على شتى أصنافها وأنواعها. . . ولعلَّ المرور على ترويج المخدرات والنفط المسروق والأدوية الفاسدة وصفقات المواد الغذائية الملوثة والفاسدة وابتزاز أهالي من يتعرضون للخطف، و. . . , و. .
خلاصة عامة
عندما احتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق إنما جاءت لتستكمل مشروع الهيمنة على أقطار الوطن العربي تطبيقاً لاتفاقية سايكس بيكو بواسطة القوة العسكرية المباشرة بعد أن أسقطت أميركا كل من كان ينافسها على الحصول على موطئ قدم في المنطقة. وقد موَّهت خطتها بشعارات فضفاضة من الديموقراطية والعيش الكريم خدعت الكثيرين إلى أن تم كشف النقاب عنها من داخل أميركا وبريطانيا بالذات.
لم تكن الولايات المتحدة الأميركية لتجرؤ على القيام باحتلال العراق لو لم تتحول دول العالم قاطبة إلى مستوى من الضعف والاستكانة، الأمر الذي أغرى أميركا للقيام بما قامت به. أما الآن، وبعد أن أثبت الشعب العراقي بقيادة مقاومته التي أسسها وقادها حزب البعث العربي الاشتراكي قدرته على إخراج أكبر القوى العسكرية في العالم من أرضه وفرض عليها الاعتراف بضرورة الانسحاب، أصبح من غير الجائز على دول العالم إلاَّ أن تدرس تلك التجربة بكل جدية من أجل لجم عدوانية الرأسمالية العالمية من التمدد العسكري خارج حدودها. وهذا يدفعنا إلى استحضار تجربة (منظومة دول الحياد الإيجابي) في الستينيات من القرن العشرين، المنظومة التي كانت القطبية الثنائية (الاتحاد السوفياتي و الولايات المتحدة الأميركية) تحسب لها حساباً وتحد من نزعاتها التوسعية العسكرية. فهل من الممكن أن تشكل منظومة دول أميركا اللاتينية أن تستفيد منها في رسم صورة العالم في المستقبل القريب؟
وخلافاً لكل ما كان سائداً من وسائل التضليل التي سادت لعشرات السنين، ولا تزال، الوسائل التي تغطي على حقيقة وجود دولة (إسرائيل) وتعترف لها بحق الوجود في الوقت الذي قامت به على عامل اغتصاب أرض ليست لها لأسباب دينية، بينما حقيقة الهدف الكامن من وراء زرعها في المنطقة العربية لم تكن أكثر من هدف استعماري رأسمالي.
كما أنه وخلافاً لكل ما كان يُشاع من أن شوفينية يتميز بها القوميون العرب، الداعون إلى ترجمة الحقيقة القومية لوحدة عربية سياسية، أن يتأكد من كان يتبنى هذا الإعلام من أن القومية العربية لا يمكن إلاَّ أن تكون قومية إنسانية تنشد بناء العلاقات المتكافئة مع كل دول العالم.
وخلافاً لكل وسائل الخداع التي انطلت على نسب كبيرة من الرأي العام العالمي من أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب شمولي يطبق الديكتاتورية في قيادة المجتمع العربي، أصبح من الضروري أمام الرأي العام المعادي للرأسمالية والأمبريالية أن ينفتح لمعرفة حقيقة مبادئ هذا الحزب بعد تجربته في السلطة أولاً والمقاومة ثانياً. تلك المبادئ التي تتلخص بشعاراته الثلاث: الوحدة والحرية والاشتراكية.

ليست هناك تعليقات: